تحت عنوان فرعي يحمل "طبيعة المشروع النهضوي وأهدافه"، يحدد المشروع النهضوي العربي، الصادر عن "مركز دراسات الوحدة العربية" مؤخراً ويجسد الرؤية القومية لنهوض العرب، ست معضلات أساسية فرضت نفسها على الواقع العربي منذ قرنين هي: الاحتلال، والتجزئة، والتخلف، والاستغلال، والاستبداد، والتأخر التاريخي. ويقدم "المشروع النهضوي" نفسه باعتباره رداً على هذه المعضلات، التي يتصدى لها عبر الإعلان عن أهداف ستة هي التالية: "الاستقلال الوطني والقومي هو الجواب التاريخي عن حالة الاحتلال. والوحدة القومية هي الرد الاستراتيجي على التجزئة الكيانية... والتنمية المستقلة هي بديل التخلف... والعدالة الاجتماعية هي نقيض الاستغلال والفوارق الضخمة... والديمقراطية هي السبيل الوحيد لمشاركة الأمة في صنع مستقبلها. والتجدد الحضاري هو الحل لمعضلة التأخر التاريخي والانحطاط". هذه الأهداف الستة هي التي "تؤسس المشروع النهضوي العربي وتحمل على الحاجة إليه". ثم يشير النص إلى أن هذه الأهداف ليست جديدة، وأنها "لازمت مسيرة الفكر والعمل السياسي العربيين منذ القرن التاسع عشر"، وهي "لم تتبلور كأهداف كاملة مترابطة إلا في هذا المشروع النهضوي". يقود التأمل في منهجية صوغ المعضلات والأهداف التي وُضعت لمواجهتها (أو الآليات بالأحرى) إلى طرح عدة نقاط منهجية ومهمة. سنتجاوز هنا مناقشة قائمة المعضلات نفسها وفيما إن اتخذت طبيعة حصرية، والتساؤل عن "أحقية" بعضها في الانضواء في هذه القائمة، وكذا تعريفها الدقيق وفيما إن كانت معضلة أم لا، وما إذا كان الهدف المعلن لحلها عمليّاً أو غائيّاً. فهنا من حق الرؤية القومية أن ترى ما تراه في سياق إعلان "المانفستو" الخاص بها. وإضافة إلى ذلك فإن "المشروع النهضوي" يتوسع في معظم هذه العناوين في فصوله اللاحقة وستُناقش تباعاً وبالتفصيل عند الوصول إليها. ولهذا سيجري النقاش والنقد هنا من داخل منطوق النص والإشكاليات التي يطرحها، والفرضيات العدة التي يستبطنها وتخص الآخرين. إن أهم فرضية تستثير النقاش، والتعجب، وتترتب عليها استنتاجات معرفية وعملية غير صحيحة هي القول إن الأهداف التي يطرحها النص "لم تتبلور كأهداف كاملة إلا في المشروع النهضوي العربي"، مع الإشارة إلى وجود شكل من أشكال الترابط فيما بينها تبلور في برنامج الثورة المصرية. وهذه المقولة ليست صحيحة فـ"المعضلات" و"الأهداف" المذكورة هي جوهر السجال العربي الداخلي الفكري والسياسي والأيديولوجي على امتداد القرنين من الزمان اللذين يشير إليهما النص. والأهداف التي يبلورها المشروع النهضوي العربي حصريّاً كرؤية خاصة به، مركزاً على جدة هذه الرؤية في التشديد على طبيعة ترابط تلك الأهداف وعلاقتها العضوية مع بعضها بعضاً، هي نفسها التي طرحتها حركة القوميين العرب، وهي ذاتها التي طرحها حزب "البعث" بشقيه السوري والعراقي. وهي تقريباً نفسها مع اختلاف الوصف والتعبير التي طرحتها أيضاً التيارات الإسلامية. والمناورة اللغوية التي يقوم بها النص لتوكيد ما يمكن أن نسميه "الرغبة في حصر الملكية الفردية" لهذه الأهداف بالمشروع النهضوي لا تغير الحقائق والسياقات التاريخية. وتتجلى تلك المناورة اللغوية بنسبة هدف مركزي محدد إلى كل واحد من التيارات والمشروعات السياسية الأخرى، فيما يأتي المشروع النهضوي ليجمع كل تلك الأهداف ويشتغل على طرحها معاً ومن دون التركيز على واحد منها وإهمال البقية. يقول النص: "فقبل المشروع النهضوي كانت كل نخبة فكرية وسياسية تشتغل تحت عنوان هدف بعينه دون سواه: كانت الوحدة الهدف الأساسي للنخب القومية (ثم أضاف عبدالناصر الاستقلال والتنمية). وكانت العدالة الاجتماعية الهدف الرئيس للنخب اليسارية. والحرية (الديمقراطية) هدف النخب الليبرالية. وحفظ الهوية من التبديد هدف النخب الإسلامية. وكل واحدة من هذه النخب تحسب الهدف، الذي أقامت عليه مشروعها الفكري والسياسي، المفتاح الوحيد للجواب عن معضلات الواقع العربي غير آبهة بغيره من الأهداف". ثم يخلص النص إلى أن الخطأ "كان في التعامل معها كأهداف متمايزة ومنفصلة ومتعارضة.. وعلى ذلك، يمثل المشروع النهضوي العربي تصحيحاً وتصويباً لتلك الرؤية وإعادة بناء وصياغة للعلاقة بين تلك الأهداف". هذا التوصيف وبافتراضاته المتعددة هو تخيُّلي وليس تاريخيّاً، ويسهل فيه الوصول إلى نتيجة مسبقة، ما كان يمكن الوصول إليها لو واجه التحليل حقيقة التعقيد التاريخي. فهنا سيبدو مقنعاً وسلساً وجذاباً ترسيم تيارات الحركة السياسية والفكرية العربية خلال العقود الماضية وكأن كلاً منها منهمك في تحقيق هدف مركزي واحد "غير آبه بغيره من الأهداف" ليأتي المشروع النهضوي العربي ويلتقط ما غاب عن أولئك جميعاً جامعاً تلك الأهداف في رؤية واحدة. فهنا يمكن القول بقدر كبير من الثقة إن الوحدة مثلا لم تكن الهدف المركزي الوحيد للنخب القومية، بل إن مقاومة الاستعمار وتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستقلة احتلت مواقع متقاربة ومتساوية وأحياناً تقدم بعضها على هدف الوحدة شعاراً وممارسة. وفضلا عن مثال القومية الناصرية، فإن سياسات وشعارات حزب "البعث" في سوريا والعراق حامت على الأقل حول ثلاثة أهداف أساسية "وحدة، حرية، اشتراكية"، وعلاقتها العضوية مع بعضها بعضاً شديدة، وتتناسل عنها أهداف أخرى لو صيغت لغويّاً لانتهت إلى قائمة لا تبعد كثيراً عن الأهداف الستة المعلنة هنا في المشروع النهضوي العربي ما عدا هدف الديمقراطية كرد على معضلة الاستبداد. وليس دقيقاً أيضاً حصر التيارات الماركسية بهدف تحقيق العدالة الاجتماعية وافتراض أنها "لم تكن آبهة بغير ذلك من الأهداف". ففي قلب شعارات وإعلانات الماركسية العربية كانت أهداف الحرية، ومقاومة الاستعمار، وتحقيق التنمية المستقلة، وما يمكن أن يفهم منه أيضا التجدد الحضاري بحسب ترسيم المشروع النهضوي العربي (على غموض هذا الهدف)، وكذلك "الديمقراطية المركزية" التي كان هدفها "مشاركة الشعب في صنع مستقبل الأمة". وذات الأمر ينطبق على التيارات الإسلامية التي حصر أهدافها نص المشروع النهضوي العربي بـ"حفظ الهوية من التبديد"، ففي هذا ابتسار شديد وغير موضوعي. فهذه التيارات طرحت وتطرح أهدافاً تتعلق أيضاً بمقاومة الاحتلال، والوحدة (ليس فقط العربية بل والإسلامية كذلك)، ولا يقل تركيزها على هدف التنمية المستقلة عن التركيز القومي، وهو على العموم تركيز على مفهوم غامض قد يقود إلى تعزيز الانغلاق وسنأتي عليه لاحقاً. وخلاصة ذلك أن المنهجية التي يتبعها نص المشروع النهضوي العربي في صياغة المعضلات ثم الأهداف وحصر ملكية اكتشاف علاقاتها العضوية ببعضها بعضاً وتبنيها كمجموعة، ثم حرمان التيارات الأخرى من ذات الممارسة والإعلان، تؤدي إلى نتيجة معرفية وعملية مقلقة وخطيرة هي التالية: هناك توصيف غير دقيق لتطور الفكر والسياسة العربيين يقود إلى خلاصة غير دقيقة مفادها محاولة إعادة اختراع العجلة. الأهداف التي يعلنها المشروع النهضوي العربي هي التي حاولت المشروعات الأخرى تحقيقها ولم تفلح، فما هو الجديد هنا ولماذا ستنجح وتتحقق الأهداف نفسها عندما يعلنها المشروع الذي بين أيدينا؟ إن افتراض عدم نجاح تلك الأهداف لأنها لم تكن مجموعة معاً، وكانت مجزأة على التيارات السياسية والفكرية العربية هو افتراض لغوي وليس حقيقيّاً، ويقود إلى تحليل رغائبي وليس تاريخّاً، وفيه افتراض أن الشكل التجميعي الجديد لتلك الأهداف هو إضافة نوعية تساعد على تحقيقها.