منذ فترة قريبة، وفيما كنت أصطاد سمك السلمون المرقط في أحد الجداول بولاية جورجيا أدرك بعض الصيادين القريبين مني أني أعيش بالقرب من واشنطن، فانطلقت، على الفور، التعليقات المنتقدة والقفشات الساخرة من الحكومة ومن دورها المتعاظم حسب رأيهم، وبدا أن تعليقات الصيادين تعكس في جانب كبير منها احتجاجات حركة "حفل الشاي" بشعاراتها المعروفة، التي كررها الصيادون الذين كانوا بجانبي مثل قول أحدهم إن "الحكومة فقدت السيطرة"، مستطرداً بشكل استعراضي: "إنني مستاء جداً لأن الإدارة الحالية تأخذنا نحو الاشتراكية تماماً مثل فرنسا"! وعندما سألته عن رأيه في التأمين الاجتماعي وبرنامجي الرعاية الصحية "ميديكير" و"ميدك إيد" أجاب بفخر أنه يداوم على تسلم شيكاته من برامج الدعم الحكومي، وأنه يؤمن مصاريفه الطبية من الشيكات الثلاثة التي توفرها له الحكومة. ثم عرفتُ بعد ذلك أنه رجل أعمال من ولاية فلوريدا يقوم ببناء مجمعات سكنية، وعلى رغم ذلك حاول إقناعي بأن أعماله بدأت تتدهور، وبأنه من الأشخاص الذين يحتاجون لمعونات حكومية، محتجاً بأن "حزمة التحفيز الاقتصادي التي أقرها أوباما لا تفيد في شيء الشارع العام"! وفي خضم حديثنا عن "الحكومة الكبيرة التي لا تساعد صغار الناس" سألته لماذا هو بكل ما يملكه، بما في ذلك بيت في باريس وآخر أكبر في فلوريدا، وبقدرته على إنفاق 350 دولاراً يومياً للاصطياد في جدول خاص للسلمون، يصر على أنه "من الأشخاص الذين يحتاجون لمساعدة الحكومة"؟ فرد متحسراً: "لا لست في حاجة إلى مساعدة"! والحقيقة أن اعترافه يكشف أن القضايا التي تثيرها حركة "حفل الشاي" هي، في الواقع، أكثر تعقيداً مما تظهره سطحية البرامج التلفزيونية المستعجلة، ذلك أن احتجاجات الحركة تعكس في عمقها ما هو أكثر من معارضتها لـ"الحكومة الكبيرة والاشتراكية والضرائب"... الخ. والواقع أن هناك تظلمات جوهرية تضرب عميقاً في التاريخ الأميركي، ففي عام 1791 فرض الكونجرس الأميركي ضريبة على المشروبات الكحولية، ولكن بعد ثلاث سنوات على ذلك عارض مزارعو ولاية بنسلفانيا القرار ونظموا ما بات يعرف في التاريخ الأميركي بـ"تمرد الويسكي"! وبالطبع كان هؤلاء المزارعون، وعلى غرار أعضاء حركة "حفل الشاي" اليوم، يعتقدون أن واشنطن لم تعد منسجمة مع الشعب الأميركي. غير أن الحكومة وقتها تمسكت بالضريبة وأرسل أول رئيس أميركي ميليشيا مسلحة لاعتقال قادة التمرد، ومنذ ذلك الوقت ظل الجنوب الأميركي، سواء قبل الحرب الأهلية أو بعدها، هو بؤرة التمرد ضد الحكومة الفيدرالية، وهكذا جادل السيناتور "جون كالهون" من جنوب كاليفورنيا في عام 1830 بأن كل ولاية منفردة تملك حق إلغاء أي قانون يمرره الكونجرس لا يتماشى مع الدستور. وقد استخدم السيناتور هذا التفسير أول الأمر لرفض دفع الرسوم التي فرضتها الحكومة الفيدرالية على الولاية، ولاحقاً استغل "كالهون" هذا المفهوم ووسعه في محاولة للانفصال عن الاتحاد والاستمرار في نظام الرق! واليوم وبعد مرور كل هذا التاريخ ما زال الشعور بالقدرة على إلغاء القوانين الفيدرالية منتشراً في أوساط حركة "حفل الشاي"، حيث يصرخ المحتجون ضد "فقدان الحكومة للسيطرة" تحت إدارة أوباما، كما يطالبون بإلغاء قانون الرعاية الصحية الجديد مهددين برفع دعوى قضائية ضد القانون للطعن في شرعيته الدستورية. وفيما يرى بعض المراقبين ما يجري داخل حركة "حفل الشاي" باعتباره توجهاً عنصرياً، إلا أنه من الخطأ التعامل مع جميع الغاضبين على أنهم عنصريون حتى لو كان عامل العنصرية حاضراً، لأن مثل هذه التهمة الثقيلة تشبه إلى حد كبير "المكارثية" التي تسعى إلى خنق ما يُفترض أنه نقاش صحي حول قضايا جوهرية مثل العجز الكبير في الموازنة الفيدرالية الذي يعتبر من المواضيع الأثيرة على جماعة "حفل الشاي". وما ينبغي أن ندركه هنا هو أن العنصر "العرقي" الحاضر في حركة "حفل الشاي" ليس مجرد تعصب مناهض للسود، بل هو ناتج عن مخاوف البيض من تراجع قوتهم السياسية، فالصرخة التي تتردد كثيراً بين المحتجين والمطالبة بتحجيم دور الحكومة يمكن ترجمتها إلى عبارات أكثر وضوحاً ومباشرة هي: "لا تسحبوا منا سلطتنا السياسية في الوقت الذي نتقدم فيه في العمر ونتحول إلى أقلية داخل بلدنا". وإذا كانت الديموغرافية قدَراً فإن كبار السن من البيض يملكون من الأسباب الوجيهة ما يدفعهم إلى التوجس من فقدان نفوذهم السياسي لصالح الجيل الأميركي الجديد المنحدر من أصول لاتينية. والحقيقة أننا وصلنا إلى الذروة بقانون الهجرة الأخير الذي أقرته ولاية أريزونا وما تلاه من ردود فعل قاسية بعدما بلغت الأمور درجة يُرفض فيها تقديم خدمة معينة لرجل أبيض في جنوب تكساس لأنه لا يتحدث الإسبانية. وفيما تشيخ الأمة يمكن التسامح مع الغضب الذي تشعر به الطبقة الوسطى البيضاء عندما تنظر جنوباً وتسمع خطاب الرئيس المكسيكي الذي يحاول تقويض سياسة الهجرة الأميركية، وهو ما يفسر أيضاً القلق الذي يستشعره العديد من الأميركيين من جميع المشارب والتوجهات إزاء إصلاح نظام الرعاية الصحية الذي أقره أوباما، لأنهم لا يعرفون تفاصيل ما مرره الكونجرس تحديداً، كما يخافون من ارتفاع أقساط التأمين الصحي وتدهور جودة الخدمات الطبية التي يحصلون عليها. ولذا يتعين على أوباما معالجة تلك المخاوف بدءاً من الضرائب وليس انتهاء بالهجرة، ولاسيما أن التاريخ يخبرنا بأن الأغلبية الصامتة انتخبت "الجمهوري" نيكسون، في وقت كان الليبراليون فيه يعيشون أزهى لحظاتهم، وهو ما قد يتكرر في موعد الانتخابات المقبلة. ----- وولتر رودجرز المراسل الدولي السابق لـ"سي. إن. إن" ----- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"