نحن شعوب ترقص طوال الوقت على ترنيمات العشق. تعشق وهي نائمة! تعشق وهي مستيقظة! تعشق وهي مسترخية على الأرائك داخل حجراتها! تعشق وهي تتسكّع على الأرصفة! تعشق وهي جالسة في المقاهي! كل بيوتنا يتخللها العشق، حتّى ليخال للغرباء الذين يعبرون أرضنا للوهلة الأولى، أننا شعوب مسالمة، تُطبّق ثقافة الحب على كل أوجه حياتها! لغتنا العربية هي أكثر لغات الأرض التي تحمل في طياتها مفردات العشق. وموروثنا الفكري دليل دامغ على أن العرب أوّل من ابتدعوا لغة الوله والهيام. فهي متواجدة في حكاياتهم وفي أشعارهم مثل قيس بن الملوّح وكثير عزة وابن زيدون، وغيرهم من الشعراء الذين أجادوا وصف أحوال العشق. منذ أن فتحتُ عينيَّ وأنا أرى الناس من حولي يُرددون بصوت عال أغاني الحب على ألسنتهم، كأنهم يُريدون بهذا الفعل التحرر من كافة عُقدهم النفسيّة المتأصلة في أعماقهم، فهل نحن بالفعل شعوب مرهفة الحس تؤمن بمنطق العشق وتُطبّقه على كافة تفاصيل حياتها، أم أنه مشهد مبالغ فيه؟! إذا كان هذا الواقع صحيحاً كما تعتقد الأغلبية، لمَ مجتمعاتنا تحمل كل هذا الكم من الغضب في دواخلها، وردود أفعالها شديدة حين يلمس غريب دون قصد شيء من خصوصياتها؟! هل بالفعل مجتمعاتنا العربية صادقة النيّة، أم أن معيار الازدواجيّة هي البوصلة التي تُحرّك مجريات حياتها؟! الحب لغة راقية، لا يُجيد إتقان مخارج حروفها إلا قلّة من الناس في مجتمعاتنا. ولا يكفي التغنّي بأبيات العشق بل الأهم تطبيق شعائرها! نحن في قرارة أنفسنا نُدرك بأننا نُجيد فن الكذب والمراوغة، وكل مظاهر الحب التي تُحيط بنا ملفقة! بل إننا أكثر شعوب الأرض زيفا وتمثيلا! نُهاجم ثقافة العنف ونحن أكثر شعوب الأرض تطبيقاً لها!! نُنادي طوال الوقت بالنزاهة والصدق والنبل وفي أعماقنا غارقون حتّى أخمص قدمينا في بؤرة التملّق! نتشدق طوال الوقت بوجوب التمسّك بصفات الوضوح والصراحة، وفي دواخلنا نتوجس منها، معتقدون اعتقاداً جازماً بأن اللف والدوران هي سياسة الشاطر الذي ستوصله إلى مراده! وأن مهارة الفرد في وضع قناع مُحكم على وجهه ليحجب به ملامحه الحقيقيّة عن الآخرين هي البراعة بعينها! هناك خلل ما يجب وضع أيدينا عليه لنكتشف مكمن الداء! فلا يمكن لشعوب تؤمن بمبدأ الحب وهي تتمسّك بثقافة العنف في حل أمور حياتها! ولا يمكن لمجتمعات تصر على نشر ثقافة العشق في طرقاتها، وهي تلوّح في الخفاء بشعار "الفهلوة" للوصول إلى مبتغاها، ولا يمكن لمجتمعات تحمد ربها علنا على استنشاقها عبق البذل والعطاء، وفي داخل كل فرد من أفرادها تربضُ عقدة الأنا التي تحثه على إرضائها، وإن كان الثمن التنكيل بالآخرين واستغلال ظروفهم الحياتيّة. يوم نعشق بصفاء نيّة مبادئ الفضيلة، ونتمعّن بنقاء مفردات العشق، نستطيع أن نُصبح مع مرور الزمن أشخاصاً أسوياء. يوم نؤمن بأن الحب الذي شببنا عليه داخل بيوتنا، والذي توغّل في خياشيمنا منذ لحظة ميلادنا، والذي نُشاهده يوميّا في أفلامنا ومسلسلاتنا، حقيقة لا وهماً، سنتحوّل إلى شعوب تنفر تلقائيّاً من الرياء ولا تخشى التصريح نهارا بكل خلجاتها. قد يكون كلامي صعب المنال، لأننا شعوب تتهيّب من نظرة جارحة، ومن اختراق كلمة نابية لمسامعها، ومن حكم الآخرين عليها بالمروق! لكن أجمل المواقف في حياة الإنسان، حين يقف أمام المرآة كل صباح ويجد في نفسه الرغبة لمعانقتها، وليس صفعها بسبب ازدواجيّة أفعالها!