وجَّه بعضهم السؤال التالي للشيخ محمد متولي الشعراوي، رحمه الله: "إذا كان الله قد خلقنا لعبادته، كما نصت على ذلك الآية الكريمة (وما خلقت الجنّ والإنس إلا ليعبدون)، فما مفهوم العبادة الحقيقي: هل العبادة أن يجلس الإنسان في المسجد ويترك العمل؟ بعض الناس يجادلون ليحاولوا أن يثبتوا أن العبادة صلاة وذكر داخل المسجد فقط، ما رأي فضيلتكم؟" وكانت إجابة الشعراوي مقنعة ومنطقية جداً، فقال: "لو أن الله سبحانه وتعالى، أراد منا التسبيح والصلاة وحدهما دون شيء آخر، ما خلقنا مختارين، والله سبحانه وتعالى غني عنا جميعاً، ويستطيع أن يخلق ما يشاء، كما يشاء". وأضاف: "فمِن خلقِهِ سبحانه وتعالى من يسبحون بحمده ولا يعصون له أمراً كالملائكة، وإنَّ من خلقِ الله سبحانه وتعالى من أتاه طائعاً مختاراً كالسموات والأرض. ولو شاء الله تعالى لكل خلقه الطاعة والعبادة لقهرهم على ذلك وما استطاع خلقه أن يشذ أو يعصي. والله سبحانه وتعالى هو القهار فوق عباده، ومن هنا فهو يستطيع أن يجعل من يشاء مقهوراً على عبادته، فلا يستطيع أحد المعصية أو الإفلات. وتساءل الشعراوي: "هل العبادة هي مجرد الجلوس في المساجد والتسبيح، أم لها منهج عمل بينه القرآن الكريم، منه الصلاة والذكر، ومنه العمل، ومنه السعي في الأرض، ومنه مقاومة الفتن والاغراءات.. وأشياء كثيرة أخرى.."؟ وقال إن الله غني عن الجميع، "وعبادة الخلق له لن تزيد في ملكه شيئاً، وعصيان الخلق جميعاً لن ينقص من ملكه شيئاً. ولكن الله سبحانه خلقنا لنعبده اختياراً، بمعنى أن نفرده سبحانه بالعبادة ونحن نملك الحرية في أن نتبع المنهج أو ألا نتبعه، يريدنا الله سبحانه وتعالى أن نأتي طواعية من أنفسنا، ونختار أن نكون في طاعته، فالذي يأتي الله سبحانه وتعالى مقهوراً، إنما يأتيه وهو غير مختار، فهو لا يستطيع أن يفعل إلا ذلك، ولكن الذي يأتي الله سبحانه وتعالى اختياراً، فهو أعلى منزلة". (الفتاوى الكبرى، ص 51). ولا أعرف مدى موافقة بقية المفسرين على هذا الفهم! فالطبري مثلاً يقول في تفسيره إن بعض أهل التأويل يقولون في معنى الآية ما يلي: "وما خلقت السعداء من الجن والإنس إلا لعبادتي، والأشقياء منهم لمعصيتي". وقال آخرون: "بل معنى ذلك وما خلقت الجن والإنس إلا ليذعنوا لي بالعبودة". وعن ابن عباس: "إلا ليقرّوا بالعبودة طوعاً وكَرهاً"، وهو ما يرجحه الطبري. ثم يقول: "فإن قال قائل: فكيف كفروا وقد خلقهم للتذلل لأمره؟ قيل: إنهم قد تذللوا لقضائه الذي قضاه عليهم، لأن قضاءه جار عليهم، لا يقدرون من الامتناع منه إذا نزل بهم". ويفهم من تفسير "الطبري" أن الكفر والإيمان من قضاء الله سبحانه وتعالى، يهدي من يشاء ويضل من يشاء. هو تفسير يختلف تماماً عن تفسير الشعراوي الذي يجعل الإرادة الإنسانية محور الطاعة والعبادة. وتفسير ابن كثير للآية هو "أي إنما خلقتهم لأمرهم بعبادتي لا لاحتياجي إليهم". وقال ابن جريج في تفسير الآية: "إلا ليعرفون". ولا نريد أن نخوض هنا في التفسير وتدقيق المعاني. ولكن من الواضح أن الشعراوي يحاول هنا أن يجدد معاني الآيات ويوسع مدلولاتها، وبخاصة مدلول عبادة الجن والإنس للخالق، والتي كانت، كما تنص الآية، علة وجودهما. وإلى جانب المعاني الروحية للعبادة، يحاول الشعراوي أن يضيف النشاطات الإنتاجية والمدلولات المادية، كي يصبح المسلم المعاصر أقدر على فهم الآية. ولا شك أن الشعراوي، وجمعا عريضا من مفسري القرآن في هذا العصر، يرون رأي العين واقع العالمين العربي والإسلامي، ويدركون مشاكلهما الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ومستويات المعيشة فيهما، ويحاولون توسيع دلالات الفهم للنصوص الدينية كلها، وإعادة النظر أحياناً كثيرة في الفتاوى الموروثة. ولكن هل لدى الشيخ الشعراوي رؤية متكاملة متماسكة لواقع العرب والمسلمين، ومشاكل مجتمعاتهم، وهل يحاول التوصل إلى "رؤية تنموية" -إن صح التعبير- من خلال الوعظ والإفتاء وإعادة التفسير؟ كلا في الواقع! فهو ينظر بسلبية شديدة إلى البلدان المتقدمة التي يسميها "المجتمعات المادية"، فيقول: "إن المجتمعات غير المؤمنة تعاني من الإحساس بالخوف، واليأس من الحياة. ورغم كل ما في تلك المجتمعات من تقدم مادي، وأمن وأمان ظاهري، فإن كل فرد فيها يعيش في قلق يمزقه ويكاد يقتله، لماذا؟ لأن كل إنسان مادي يعبد الأسباب وينسى خالق الأسباب سبحانه، ويعتقد في قدرات البشر المحدودة وينسى قدرة الله سبحانه وتعالى، فإذا طُرد من وظيفته لا يقول، إذا أغلق الله باباً للرزق أمامي فسيفتح لي عدة أبواب، ولا يقول، إن هذا ابتلاء من الله ليمتحنني، وإن بعد العسر يسراً.. منطق المادية يجعله يرى المستقبل أسود وأنه قد انتهى تماماً. وكذلك إذا مرض الإنسان المادي يمرض وظن أنه ميؤوس من شفائه، فقد الأمل في المستقبل، ولم يقل إذا عجزت الأسباب فإن الله تعالى بواسع رحمته سيفتح لي باباً للشفاء (وإذا مرضتُ فهو يشفين).. الإنسان المادي يتخذ من الأسباب إلهاً من دون الله تعالى". وينظر الشعراوي إلى هذه البلدان كأمم يخيم عليها الشقاء، ويقول، رداً على سؤال "لماذا تكثر نسبة الجنون والانتحار في الشعوب الغنية رغم ما فيها من رفاهية ورغد"؟ يقول: "يكفي أن ننظر إلى الحياة الأسرية للغرب الكافر بنعم الله: إنهم مترفون بالمادة وفاقدون للاستقرار العائلي والحب المتبادل". وسئل الشعراوي : "ألا ترى فضيلتكم أن أساس تقدم المجتمعات في البلاد غير الإسلامية هو تنفيذها لمبادئ الإسلام في صور قيم اجتماعية"؟ فأجاب قائلاً: "حين نتأمل واقع المجتمعات الغربية نجد أن مبادئ الدين الإسلامي مطبقة كقيم اجتماعية. ففي أي مجتمع متقدم تراه يحافظ على حق كل إنسان، ويعاقب أشد العقوبة على الكذب، باعتباره من الرذائل التي تقود أفراد المجتمع إلى عدم الثقة، وإلى إخفاء الحقائق، وإلى أشياء كثيرة". ومضى الشعراوي يبرز إيجابيات ومناقب مجتمعات أوروبا والغرب فقال: "إن هذا المجتمع يكافئ الأمين، ويعترف بالفضل لصاحبه، ويفتح الآفاق أمام الجميع، كل هذه الأشياء هي من قيم الإسلام، ولكن هؤلاء الناس أخذوها وجعلوها قيماً اجتماعية، لماذا؟ لأن التقدم لا يتم إلا بتطبيقها.. لم يأخذوها كعقيدة، ولكن ألجأتهم ظروف الحياة إلى اتباع ما شرع الله سبحانه وتعالى، وذلك قهر من الله لهم". الشعراوي يعتبر المجتمعات الغربية في تناقض بيِّن، بأنها مادية وفاسدة"، غير أنها "تطبق مبادئ الدين الإسلامي"، ولا يرى الشعراوي، أي بأس في الحياة المرفهة، فيقول: لا ينبغي أن نظن "أن الرفاهية دمار، لا.. إن الرفاهية التي يمكن أن نصل إليها نحن المسلمين لها ظاهر ولها باطن، وكلاهما يكون المؤمن فيها سعيداً، لأننا نعرف أن كل عمل هو بتوفيق من الله وبفضله".