زار ميدفيديف، سوريا كأول رئيس روسي يزورها منذ أربعينيات القرن الماضي. وكانت الزيارة ناجحة على المستوى السياسي الخاص بالقضية الفلسطينية، حيث صرح في دمشق بأن الإدارة الأميركية لا تعمل حالياً ما يكفي لدفع عملية السلام إلي الأمام، ودعا إلى الاستفادة من جميع الوسائل المتوفرة للتوصل إلى النتائج المرجوة، وأوضح أنه لا يمكن للعالم أن يظل جالساً مكتوف اليدين، كما حذر من خطورة الأوضاع القاتمة التي تزداد سوءاً. هل ستلعب روسيا دوراً أكثر فعالية في عملية السلام، خصوصاً أنها أحد الرعاة الأساسيين لعملية السلام التي انطلقت في مدريد، وتوقفت منذ عشرة أعوام. تاريخياً كانت روسيا إبان العصر السوفييتي، وفي ظل الحرب الباردة، الحليف الرئيسي والمصدر الأساسي للمساعدات العسكرية والاقتصادية لعدد من الدول العربية، وتحديداً مصر وسوريا والعراق وليبيا والجزائر واليمن، لكن الدور الروسي تراجع بعد سقوط الاتحاد السوفييتي عام 1991 وانشغال روسيا في مشاكلها الداخلية المتزايدة. ما هي إمكانية عودة روسيا للمنطقة، لاسيما أن الأيديولوجية الاشتراكية قد اندحرت في مواجهة الرأسمالية؟ اليوم تتلخص مصالح روسيا في المنطقة في تأمين حدودها الجنوبية، ومنع أي صراعات في منطقة آسيا الوسطى قد تؤثر في مصالحها وأمنها القومي، كما تسعى روسيا لجذب الاستثمارات العربية والخليجية تحديداً، وإلى تنشيط العلاقات الاقتصادية والتجارية والسياحية، كما أنها تحرص على منع تدفق الإرهابيين والجهاديين داخل مجالها الحيوي. من المسؤول عن تدهور العلاقات العربية -الروسية؟ ولماذا لم تتحسن نحو الأفضل؟ واقع الحال يخبرنا أن روسيا لم تنسحب من العالم العربي ولم تتخل عنه بقدر ما أن العرب هم من تخلى عنها، فقد تم طرد الخبراء الروس من مصر إبان عهد السادات، وانخرطت مصر وبقية الدول العربية في الرهان على الغرب أملاً في تغيير السياسة الأميركية تجاههم. كذلك فإن روسيا لم تتخل عن قضية العرب الأولى، أي فلسطين، لكن الخلافات العربية العربية شلت الدور الروسي في المنطقة، فخفضت موسكو من اهتماماتها حيال قضايا المنطقة، خصوصاً وأن العرب اختاروا التعاون أكثر مع الغرب، لذلك لم تمارس روسيا أي أدوار فعالة في العالم العربي، سواء خلال حصار العراق واجتياحه واحتلاله، أو خلال اجتياح غزة وممارسة حرب الإبادة ضد شعبها، فاكتفت بالاحتجاج والاستنكار والدعوة لوقف الحرب والانسحاب الأميركي من العراق. واليوم، نجد أن السياسة الروسية في المنطقة تتخذ منهجاً آخر، وهو اتباع سياسة الموازنة بين إسرائيل والعرب، فالمهاجرون الروس في فلسطين المحتلة يزدادون بأعداد كبيرة حتى أصبحوا العقبة الرئيسية في وجه السلام بسبب توسع مستوطناتهم في القدس. روسيا كدولة تعارض الاستيطان الصهيوني، رغم أن المستوطنين هم روس. روسيا بعد أفول الاشتراكية تفكر بمصالحها وإصلاح أوضاعها الاقتصادية، فهي لا تريد خسارة الإسرائيليين ولا الفلسطينيين. ماذا عن علاقة روسيا بدول الخليج؟ إنها علاقات تتحسن، اقتصادياً وتجارياً وسياحياً، باستمرار. لكن الروس عاتبون على دول الخليج لأن هناك ما يعتبرونه حملة منظمة من بعض الإعلام الخليجي ضد روسيا بسبب العمليات العسكرية التي تقوم بها روسيا ضد الإرهاب في الشيشان. كل ما تطلبه روسيا من الخليج هو أن لا يصدر الإرهابيين إليها. وأخيراً نرى أن دور روسيا في المنطقة قد يعود قوياً؛ لأنه ليس لديها مطامع استعمارية في منطقتنا.