رجل الدولة أو السياسي عند أفلاطون، هو الحكيم أو الفيلسوف الذي يعي نظامَ المدينة، ويعي ضروراته، فيتصرف بحسب حكمته، وبحسب الضرورات. أمّا عند ماكس فيبر (1864-1920)، فرجل الدولة هو الذي تتوافرُ فيه صفتان: الرؤية والاحتراف. أقولُ هذا بمناسبة الأزمة المالية العالمية، وإفلاس الدولة اليونانية، وتهرُّب الأوروبيين الكبار على مدى عامٍ من مُساعدتها. وعندما اضطروا لذلك أخيراً، فعلوه على تردد، وبما لا يشجّع أحداً على اعتبار الاتحاد الأُوروبي نموذجاً لتكتلٍ ناجحٍ ومستقبلي. فرنسا وألمانيا، وهما الدولتان اللتان أقامتا الاتحاد الأوروبي عملياً، بدءاً باتفاقية الفحم والحديد عام 1955، كان عليهما أن تَهُبَّا للمرة الثالثة أو الرابعة لإنقاذ الاتحاد عبر إنقاذ عُمْلته الموحَّدة. والعُملةُ الموحَّدةُ هذه لا تُعاني من الحَدَث اليوناني وحسْب؛ بل ومن الديون الإسبانية والبرتغالية والإيطالية والهنغارية والتشيكية والإيرلندية... والأَيسلندية. ورغم الـ130 ملياراً التي أُعطيت لليونان، والتريليون يورو التي دُعِمَ بها اقتصادُ الاتحاد؛ فإنّ اليورو ما يزال ينخفض تجاه الدولار وتجاه العملات العالمية الأُخرى، وتوقّعاتُ النموّ لهذا العام تتراجع في دول الاتحاد ربما إلى حدود 2 في المئة أو أقلّ، والأمزجة شديدة السوداوية والتشاؤم. فالعنوان على الصفحة الأولى الذي وضعته صحيفة "لوموند" يقول: المطلوب استعادة الثقة! لماذا يحدث هذا كُلُّه، ومن الذي يتحمل المسؤولية؟ لا تختلف أسبابُ الأزمة المالية في سائر أنحاء العالم، وأساسُها المضاربات في سوقٍ تحولت إلى سوقٍ افتراضيةٍ وليست حقيقية، والعاملُ الآخر: السعْيُ لنموٍ لا حدودَ له ويقع فوق كلّ اعتبار. وكما سبق القول؛ فإنّ اليونان لا تختلف في ذلك عن إيرلندا، وإيرلندا لا تختلف عن الولايات المتحدة. وهذان العاملان أطلقا ممارسات فسادٍ هائلة من العاملين في البنوك والشركات، ومن رجالات السلطة والحكومات. وفي الولايات المتحدة تنكشف الأمور قبل أوروبا، لأنّ الأنظمة الأوروبية شديدة الكثافة والاستقرار، ولا يُغيِّرها الإعلام أو الرقابة البرلمانية؛ بل تُغيِّرها الانتخابات النيابيةُ والبلدية. ولنَعُدْ إلى الاتحاد الأوروبي وأزمته وعلاجاتها. فقد أُتيحت لي الفرصة في الأيام الماضية، لأسمعَ عن كثبٍ خطاباً للرئيس الفرنسي، وخطاباً للمستشارة الألمانية. وكلا الخطابين يتعاطى مع الأزمة اليونانية والأوروبية من خلال المنظور الفرنسي أو الألماني. ففي خطاب ساركوزي، ما بقي شيء من روح ديغول الأوروبية. ديغول أراد من وراء السوق الأوروبية تجاوُز العداء التاريخي مع ألمانيا، وصنع تكتُّل يواجهُ الهيمنة الأميركية على القارة القديمة. لكن في خطاب ساركوزي ما بقي شيء من الأمرين. وهذا طبيعيٌّ، بسبب تقارب ساركوزي مع الولايات المتحدة، بعكس سلفَيه، الاشتراكي والديغولي. ثم إنه ما عادت هناك عداواتٌ أو ذكرياتٌ سلبيةٌ بين ألمانيا وفرنسا. إنما هناك أمرٌ ثالثٌ كان حاضراً في الوعي الديغولي، ولا يملك أو لا يريد ساركوزي إحضاره من جديد، إنه وعْيُ القوة العُظمى أو الكبرى. وقد كان طموح ديغول وخلفاؤه أن تلعب فرنسا (وأوروبا) دورَ المُوازن بين القطبين، لتخفيف آثار الحرب الباردة، بعد أن نصبت الولايات المتحدة الأسلحة النووية الموجَّهة باتجاه الاتحاد السوفييتي! وبغضّ النظر عمّا إذا كان هدف ديغول أو خلفائه قد تحقّق، فعلينا أن لا ننسى أنّ كلا من شيراك (الرئيس الفرنسي السابق) وشرودر (المستشار الألماني السابق)، وقف ضدّ الغزو الأميركي للعراق عام 2003. ولو أنّ الرجلين تعاونا مع روسيا والصين، لما وقعت الحربُ في الأرجح. لكنّ الدولتين العُضْوين في "الناتو"، ما أرادتا القطع مع الولايات المتحدة، في وقتٍ ما كانت فيه أوراقُ كلٍ من روسيا والصين قد صارت مكشوفةً بما فيه الكفاية. وهكذا فخطاب ساركوزي عن الأزمة اليونانية، وأزمة اليورو، عَنَى وحسْب أنّ مصالح فرنسا الوطنية كانت مهدَّدةً وما تزال. ففرنسا لا تستطيع تحمُّل انهيار اليورو، وتخشى إذا أفلست اليونان، أن تتوالى الإفلاسات، فتتدمَّر مصالح فرنسيةٌ أساسية، كان لابُدَّ من صيانتها بشتّى السُبُل. ثم عاد لذكْر قلة الإحساس بالمسؤولية لدى سائر الأطراف، كما عاد للثناء على سياساته هو في تجاوُز آثار الأزمة المالية العالمية على اقتصاد فرنسا! ما استطاع ساركوزي إذن، حتّى وهو يدفع 17 مليار يورو لليونان، ويُسهم بحوالي الـ100 مليار يورو لإنقاذ اليورو نفسه، أن يكونَ أوروبياً ولو بمقدار 20 في المئة! لماذا؟ لأنّ الانطباع ساد لدى الجمهور الفرنسيّ أن الاتحاد الأوروبي، الذي صارت فيه 27 دولة، أكثرها فقير، صار عبئاً على فرنسا الزاهرة والمزدهرة! ومنذ عام تتراجع حظوظ ساركوزي في أَعْيُن الناخبين الفرنسيين، وقد خسِر حزبُهُ الانتخابات المحلية في أكثر أنحاء فرنسا، وهو يعتقدُ أنه بإيقاظ الروح الوطنية الفرنسية عبر مهاجمة الأوروبيين الآخرين الفقراء والمأزومين، وبتشديد الحظر على النقاب لدى المسلمات إثباتاً لخصوصية الثقافة والهوية الفرنسيتين؛ في كلِّ ذلك يعتقد أنه "يستُر" اضطراره للإنفاق على أُوروبا، ويستعيد حظوظَهُ في عيون الجمهور الفرنسي المُرتاع من سياساته الهوائية. وما بلغ الأمر بميركل ما بلغهُ بساركوزي. فقالت في خطابها بمدينة آخِن بمناسبة مَنْح جائزة شارلمان لرئيس وزراء بولندا؛ إنّ ألمانيا بدعمها للاتحاد الأوروبي إنما تدعمُ مصالحها الوطنية الكبرى، ومن ضمنها الإصلاح بينها وبين دول الاتّحاد التي أساءت إليها ألمانيا في الحرب العالمية الثانية وخصوصاً بولندا. وإذا كان الخروج من الماضي يقتضي التضامُنَ مع الجيران؛ فإنّ الخروج إلى المستقبل يقتضي ذلك أيضاً. وهكذا كانت ميركل أوروبيةً أكثر قليلاً من ساركوزي، بسبب الوضع الخاصّ لألمانيا وسط أوروبا في التاريخ والجغرافيا والاستراتيجيا. فألمانيا أكبر البلدان الأوروبية، واقتصادها أقوى الاقتصادات. وصادراتها في الأكثر تذهب إلى الأوروبيين الآخرين. ولذا فمستقبلها الاقتصادي مُرتبطٌ بهم وبروسيا (بسبب الغاز والبترول) أكثر من ارتباط فرنسا. لكنّ الإحساس بالغُبن من الأوروبيين لدى الشعب الألماني، أقوى منه لدى الشعب الفرنسي. والألمان يقول جمهورهم إنّ سائر الأوروبيين يعيشون عالةً عليهم (بما في ذلك الفرنسيون!)، وليس ذلك صحيحاً. لكنّ ميركل التي دفعت 22 ملياراً لليونان، وحوالي الـ 150 مليارا لدعم منطقة اليورو، خسرت انتخاباتٍ محليةٍ بعد ذلك بثلاثة أيام. فحتى لو كانت ترغب بأوروبا الموحَّدة أكثر من ساركوزي (وهذا مشكوكٌ فيه، لأنها من حزبٍ مُحافظٍ تراجعت أوروبيته بعد أديناور)؛ فهذا ليس هو الوقت المُناسب لإظهار ذلك، حتى لا تسقطَ أكثر في عيون الناخبين. وهكذا فالقوى الكبرى أو العُظمى لا يصنعُها البناءُ السياسيُّ والاقتصاديُّ المنتظمُ وحسْب؛ بل تصنعُها الأفكارُ الكبرى والرؤى الكبرى أيضاً. وقد سبق أن ذكرْتُ أنّ السوسيولوجي الألماني الكبير "فيبر" اشترط في رجل الدولة أو السياسي الكبير أمرين: الرؤية والاحتراف. وهؤلاء السياسيون الأوروبيون يتوافرُ فيهم جميعاً الاحتراف؛ لكنّ الرؤية الكبيرة التي توافرتْ لأديناور وديغول وأمثالهما غير مُتوافرةٍ اليومَ لدى الفرنسيين والألمان أو الإيطاليين والإسبان. والمنطقُ يقول لدى هؤلاء السياسيين إنهم وصلوا إلى أعلى المناصب بالاحتراف ومُسايرة مزاج الجمهور، فلماذا يغيرون ما اعتادوا عليه، فيتعاظم لديهم احتمالُ الفَشَل وفَقْد المناصب، وخسارة الانتخابات؟! لذلك أرى أنّ الأميركيين والروس سيظلُّون في الطليعة، وقد يصعدُ إلى جانبهم الصينيون والهنود، ليس بسبب قوة الاقتصاد وحسْب؛ بل ولتوافُر الأفكار والرؤى الكبيرة. أما الأوروبيون فسيظلون يلهثون وراء الولايات المتحدة وروسيا، ومن يعتقدون أنه يملك الطاقة أو المال!