زرت بريطانيا أول مرة في أواخر الستينيات، وما زلت أزورها وأزور بقية البلدان الأوروبية منذ ذلك الحين وحتى الوقت الحاضر. وفي الجامعة، كان أحد تخصصاتي في دراسة الاتحاد الأوروبي وكنا نعد تجربته الوحدوية تجربة رائدة على المستوى الإقليمي لا تضاهيها أية تجربة أخرى. وفي كل مرة كنت أزور فيها تلك البلاد، كنت أعجب أيما إعجاب بالمستويين الثقافي والحضاري للناس، وأستمتع أيما استمتاع بطراوة الهواء وخضرة الوهاد، وجريان المياه في كل نهر وساقية. غير أن سؤالاً كان يطاردني على الدوام عن سبب حصول الناس في تلك البلاد على مستوى عالٍ من الدخول وعلى خدمات اجتماعية وصحية متميزة توفرها لهم دولة الرفاه؟ وكان الجواب يأتينا سريعاً بأن السر يكمن في الضرائب التي تفرض على دخول الأفراد وعلى المبيعات، وعلى القيمة المضافة وغيرها من الضرائب والرسوم. وأن الشعوب الأوروبية تتحمل مثل هذه الضرائب الباهظة لكونها تهيمن على صنع القرار عبر عملية ديمقراطية خالصة. وحين كنت أتبرم أمام أصدقائي من غلاء الأسعار في تلك البلاد، ومن ضعف إنتاجية مقدمي الخدمات العامة مقارنة بأقرانهم في الولايات المتحدة وفي شرق آسيا، كان هؤلاء الأصدقاء يلوحون بأن لكل شيء ثمناً، فإذا كانت دولة الرفاهية الأوروبية توفر لمواطنيها التأمين ضد البطالة وضد الشيخوخة، وفي تعليم الأطفال ورعايتهم حتى يتخرجوا في الجامعة، فلذلك حريٌّ بها أن تفرض ما تشاء من ضرائب، وأن يتحمل مواطنو تلك الدول عناء غلاء الأسعار، والحصول على ما يشاءون من تسهيلات بنكية. وحين قرأت أعمال آدم سميث بعمق، وجدته يتناقض تماماً مع نظريات آينشتاين في أن الطاقة لا تخلق من العدم؛ لأن سميث يعلمنا أن المال يخلق من العدم، وكي يتوافر ذلك فإن شرط قبول الناس له، والثقة في النظامين الاقتصادي والنقدي، يعتبر أساساً لما يسميه بالفائدة والائتمان. وأذكر أنني زرت مدينة كبرى في شمال بريطانيا واستمتعت بمهرجانها الموسيقي السنوي الذي تشارك فيه فرق موسيقية وفلهرمونية عالمية لا نسمع بها إلا من الأشرطة والأسطوانات، فكيف بك وأنت تراها تعزف بأوتارها سمفونيات رائعة أمام عينيك. وأذكر أنه بعد انقضاء ذلك المهرجان أخذتُ جولة سياحية في تلك المدينة، ولم أرَ فيها مصنعاً أو دخاناً، أو عملية بناء ضخمة. بل إن المباني قديمة والمصانع مغلقة، ولكن شوارع المدينة ملأى بالبنوك وشركات التأمين التي تتعامل مع جميع عواصم العالم، وبورصاتها. وقيل لي يومها إن المال هو عصب الحضارة، وإن الصناعة باتت من مخلفات القرن التاسع عشر، ولم يعد لها مكان في عالم اليوم، ولا يمكنها أن تنافس البنوك وشركات التأمين الكبرى. غير أن الفقاعة انفجرت قبل عامين، وما زال انفجارها يؤثر علينا وعلى الاقتصاد العالمي من حولنا. ومع هذه الفقاعة، ظهرت تساؤلات جديدة حول النظام النقدي العالمي، الذي يعتمد خدمات بنكية وتأمينية لا تلمس بالعين المجردة، بل هي أرقام على الحواسيب، تنزاح من حساب إلى آخر. ولا تتطلب بالضرورة إنتاجية مقابلة كي ترتكز عليها حين تحل الأزمات والمخاطر. والحال أن كل هذه الأفكار توالت عليّ وأنا أنظر في الصعاب التي واجهها الأوروبيون في الأسبوع الفائت، فمعظم المطارات الأوروبية كانت مغلقة بفعل رماد بركان آيسلندا. والمظاهرات الصاخبة تجتاح شوارع أثينا الجميلة. والضغوط الاقتصادية والمالية ترمي بثقلها على الحكومة اليونانية، حتى كادت تعلن عن إفلاسها. وكان الألمان يترددون في إنقاذ اليونان بما تحتاجه من إسعاف نقدي عاجل تصل قيمته إلى 110 مليارات دولار، وفي النهاية رضخ الألمان لضغوط جيرانهم الجنوبيين، غير أنهم اشترطوا مشاركة بقية الدول الغنية في الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي، وضغطوا على الحكومة اليونانية كي تقلص من إنفاقها المدني وتقتطع جزءاً من الكعك الذي كان يتغذى عليه مواطنوها. وكانت الأصوات العالية المدوية في شوارع أثينا تعلن نهاية دولة الرفاهية، بعد أن انهارت قبل ذلك أسطورة المال الذي يُخلق من العدم، أو شبه العدم. وحين تدفع الأموال المطلوبة والعاجلة إلى اليونان، فإن هناك دولاً جنوبية أخرى قد تطالب بمعونات وقروض، كما أن بلداناً كبرى مثل بريطانيا، قطب المال والأعمال والتأمين، باتت تتخوف من حجم المديونية التي ترزح هي أيضاً تحت ظلالها. وذلك كله يحتاج إلى مزيد من ضخ الأموال، واقتراضها. وأثناء كتابة هذا المقال، تردد أن الأوروبيين يرحبون بقدوم عضو جديد "إسرائيل" في منظمة التعاون والتنمية الدولية (OECD). ومثل هذا القادم الجديد الذي كان يعمل بصمت طيلة الأعوام الثلاثة الماضية، يقدم أوراق اعتماده بصمت مماثل وبعمل دؤوب لدى الاتحاد الأوروبي نفسه، ربما ليفاجئ الجميع في القريب العاجل بأنه بات عضواً في ذلك الاتحاد. والحقيقة أن المثال الأوروبي، كان مثالاً إنسانيّاً وسياسيّاً واقتصاديّاً بكل المعايير، فالنموذج الأوروبي احترم ولفترة طويلة، على الأقل داخل حدوده، حقوق الإنسان وحريته وقدرته على التعبير. كما ابتدع نظماً اقتصادية تقوم على الائتمان، أي خلق المال من شبه العدم، بناء على ثقة أطراف التعامل جميعها بشبيه المال. وفي المجال السياسي، أحيت التجربة الأوروبية نظماً وأعرافاً إنسانية سامية في المشاركة السياسية وحرية التعبير، وصنع القرار الجماعي وانتقال السلطة بشكل سلمي ومباشر، وعبر مأسسة كاملة لمثل هذه المناهج والسبل. أما اليوم، فإن المثال الأوروبي والإنساني الذي كان يعيش في القارة العتيقة، بات متأرجحاً. فحقوق الإنسان تلونت بلون عنصري وديني ينظر إلى الآخرين بنظرات مريبة ويجعلهم في مراتب متباينة، ويمنع العنصرية عن بعض فئات المجتمع، بينما يقننها ضد فئات أخرى، وبشكل مجمل فقد حلت الاعتبارات الأمنية الإثنية فوق الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية، وحتى السياسية. وأصبحت إسرائيل، وهي رمز للعنف والقمع والاستعمار والتطهير العرقي في القرن الحادي والعشرين، عضواً مرحباً به في النوادي الأوروبية. أما في المجال الاقتصادي، فلم تعد الماكينة الأوروبية هي الأسرع نمواً والأنشط في مجال الإنتاج، فقد حلت محلها الماكينة الآسيوية، سواءً في الصين أو الهند، أو في بلدان شرق آسيا. وفي المجال المالي، لم تعد البنوك المركزية الأوروبية قادرة على أن تكون الملاذ الأخير لكل مقترض، فقد ذهبت الأموال بدورها نحو المنتجين في الشرق، وباتت البنوك المركزية في الخليج والصين والهند هي الملاذ الأخير للأموال المودعة. ولم تتقلص بعد قدرة شركات التأمين الأوروبية بشكل كبير يؤدي إلى ظهور تكتلات تأمين آسيوية ضخمة بديلة. ولهذا فإن النموذج الأوروبي يتأرجح الآن أو يتآكل في كافة المجالات من سياسية واقتصادية وإنسانية. غير أن القيم الأوروبية القديمة، وهي قيم إنسانية أصيلة ستظل ثابتة، وإن فقد أهلها قناعتهم بها، أو انفكوا عن الارتباط بتطبيقها. ومن الصعب الجزم في هذه المرحلة ما إن كانت مثل هذه التغيرات والتحولات تغيرات حضارية مؤقتة، أم أنها تغيرات هيكلية عميقة؟