في سبيل هزم الحكام المستبدين الشموليين، عمد الجيل العظيم إلى توزيع المواد الغذائية، وزراعة الخضار والفواكه في حدائق المنازل الخلفية، ودفع الضراب المرتفعة، وشراء سندات التوفير من أجل تمويل الحرب، وإرسال 16 مليون شاب وشابة إلى ساحة المعركة؛ في حين لم يقدم جيل "الفيس بوك" أي تضحية على الإطلاق من أجل مواجهة الدول المارقة والإرهابيين ومشاكل الطاقة وارتفاع الدين العام وغيرها من المشاكل الملحة والعاجلة التي تهدد أمن أميركا. والحال أنه لا بد من أن يتغير هذا الأمر، وبالإمكان تغييره. فمثلما أفسحت النزعة الاستهلاكية في العشرينيات والانعزالية في الثلاثينيات المجال أمام الادخار والانخراط العالمي في الأربعينيات، فكذلك يستطيع شباب اليوم أن ينضج ويتغلب على التحديات الكبيرة التي تواجه بلدنا؛ غير أن ذلك لن يكون سهلاً. والأكيد أن التقدم لا يتم تحقيقه من دون تضحيات، غير أن هذا الجيل (الجيل الذي أنتمي إليه) يكره التضحيات، ونحن نرى الشواهد في كل مكان: من الأحاديث التي تركز على برنامج "أميركن آيدول" إلى الإعجاب بنساء مثل باريس هيلتون، إلى التلفزيون الذي يحرك اختيارنا لما نشتريه وما نرتديه. وعلى ما يبدو، فإننا نرغب في كل ترف وكل أمل؛ ونريد أن نلعب، ولكننا غير مستعدين لأن ندفع أي ثمن. إن الجيل الذي أنتمي إليه لا يفهم معنى العمل المضني الذي يتطلبه العيش في مجتمع زراعي، أو قسوة "الغرب المتوحش" (الغرب الأميركي) أو، مثلما في الحرب العالمية الثانية، التضحية والحافز لخوض حرب فُقد فيها الآلاف في يوم واحد (ولنقارن ذلك مع الجنود الأميركيين الـ5400 تقريباً الذين قُتلوا حتى الآن بعد ثماني سنوات من الحرب في العراق وأفغانستان). وقتئذ، لم تستثن الأخبار المفجعة والدموع الساخنة سوى قلة من العائلات عبر أميركا خلال شهري أبريل ومايو 1944، حيث فقدت القوات الجوية المتحالفة 12 ألف رجل تقريباً و2000 طائرة، بينما كانوا يعبدون الطريق للغزو البري. وفي اليوم الموعود، خسر "الجيل الشجاع" 2500 جندي أميركي في يوم واحد دفاعاً عن العالم من حاكم متجبر وطاغية. ومع نهاية الحرب، كان أكثر من 400 ألف من أفراد جيشنا قد قدموا التضحية الغالية من أجل بلدنا. بيد أن ذلك لم يكن مجرد جهد جبار من قبل قواتنا المسلحة؛ بل إن كل الأميركيين ساهموا فيه، لأنهم أدركوا أن مستقبلنا وقيمنا في خطر. والحقيقة هي أن مستقبلنا اليوم بات يواجه الخطر من جديد، ولكن قلة قليلة فقط من الشباب الأميركي تلبي النداء. ومما لا شك فيه أن جنودنا يمثلون استثناء، هم الذين أطاحوا بحكام مستبدين خلال العقد الماضي، وساعدوا على تنظيم انتخابات حرة، وحرروا أقليات ونساء، وبنوا مدارس، واستثمروا المليارات في منشآت حيوية مثل المستشفيات ومحطات توليد الطاقة. والواقع أن الكفاح من أجل الانتصار على أعداء الحرية متواصل؛ وبكل موضوعية، يمكن القول إن على الأميركيين أن يشعروا بالفخر لما حققته تضحيات جيشنا. وينبغي على بقية أفراد جيلي الآن أن تتقدم إلى الأمام الآن وتلبي النداء. ويجب أن ننظر إلى الأحداث الحالية من خلال منظار التاريخ بدلاً من مرآة الألعاب الإلكترونية لثقافة ما بعد الحداثة؛ والحال أننا نركز على الشجرة ونفشل في رؤية الغابة؛ حيث يبدو هذا الجيل غافلًا عن القرارات السيئة تلو القرارات السيئة التي تتخذ من قبل أصحاب النفوذ الذين يرهنون مستقبلنا. وبالتالي، فمن المهم والأساسي أمام هذا الوضع أن نوقف إهمالنا وتقاعسنا ونحتضن مستقبلنا ونمارس من دون تردد تأثيرنا بطريقة غير متخيَّلة حتى الآن. إن "الفاتورة" المقبلة ليست هي كارثة الدين الوطني فحسب. فبعد خمسة وعشرين عاماً، ما هي البلدان التي ستهدد السلام بالأسلحة النووية؟ وما هي المنظمات الإرهابية التي ستمارس القوة؟ ثم هل ستستمر الرأسمالية في الولايات المتحدة؟ وأي كيان سيتحكم في "وول ستريت"؟ ولماذا يبدو جيلي راضياً عن الوضع الراهن؟ الواقع أنه يجب أن نغير توقعاتنا بشكل راديكالي؛ ونسعى وراء اكتشاف الفضاء، واختراع أسلحة تجعل الأسلحة النووية تبدو عتيقة ومتجاوَزة، والقضاء على الأمراض الوراثية، واستخراج الطاقة من مصادر لم نتخيلها بعد. وبالتالي، فلدى مهندسينا وكتابنا ومصرفيينا ومثقفينا فرصة لتركيز طاقاتهم على تحديات العالم الجديد. الأمر هنا لا يتعلق بنزوة أو فكرة مجنونة، فمحرك البحث"جوجل"، التي يعد ربما أبرز تكنولوجيا خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة، ابتكره "لاري بيج" و"سرجي برِن" قبل أن يبلغا سن السادسة والعشرين. إن تحكمنا بناصية تكنولوجيا المعلومات والقوة التي نحملها مع ذلك السلاح، يمكن أن تشكل حجر الزاوية في تركة هذا الجيل. وفي وقت تزداد فيه تحديات القرن الحادي والعشرين وضوحاً، فقد حان الوقت ليتوقف جيلي عن طرح أسئلة مثل "متى؟" أو "من؟" ويشرع في الإجابة بـ: "الآن" و"أنا". والواقع أن الجيل الذي أنتمي إليه يستطيع انتزاع معطف المسؤولية من أكتاف المشرعين وأصحاب النفوذ الذين يسيطرون على كل شيء، وإلا، فإننا سنحصد عواقب أفعال وتصرفات جيل آخر لسنوات أخرى مقبلة. إن عالمنا في أمس الحاجة إلى تفكير شجاع ومتميز وطويل، فهل سنلبي النداء؟ ناثان فيسك مستشار سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"