على ضوء الأزمة الاقتصادية الحالية التي يمر بها العالم أجمع ، تبرز إلى السطح قضية تتعلق بأهم التحديات التي تواجه الإمارات، وتؤثر على مسيرتها نحو المستقبل في الجانب المتعلق بهاجس التخطيط للتنمية بمفاهيمها الشاملة المستدامة. ودون شك، فإن هذا الجانب جزء أصيل من منهج الأمن الشامل الذي يجب أن يؤخذ دائماً بعين الاعتبار، والذي يتكون من أفرع رئيسية أربعة هي: الأمن الاقتصادي، والأمن الاجتماعي، والأمن البيئي، وأخيراً الأمن العسكري. هذه الأفرع الأربعة تعتبر متلازمة ولا يمكن تحقيق أي منها دون تحقيق الثلاثة الأخرى. والمهم في طرحنا هنا هو أن تحقيق الأفرع الأمنية يحتاج منّا إلى التخطيط السليم القائم على المعرفة والدراية والخبرة. يوجد جدل أكاديمي، حول الجهة التي من المفترض أن تضطلع بعملية التخطيط السليم لكافة شؤون المجتمع، هل هي الدولة أم مؤسسات المجتمع المدني. ورغم أنه لا توجد لدينا معلومات مؤكدة حول أي من الطرفين هو الأقرب إلى الصحة، إلا أن ما نعتقده هو أن عدد من يدعون في الإمارات إلى قيام الدولة بذلك، يفوق عدد أولئك الذين يرون تركه لمؤسسات المجتمع المدني، خاصة على الصعيدين الاقتصادي والعسكري. وينطلق اعتقادنا هذا من أن عدم التوازن الحاد بين الموارد المتاحة والكثافة السكانية المواطنة، وعدم نضج مؤسسات المجتمع المدني يجعل من الضروري وجود ممارسات مركزية تحدد توجهات وحجم الاستثمار التنموي، ووضع الخطط اللازمة له في سبيل تجميع وتخصيص الموارد النادرة المتواجدة في البلاد. وربما تتواجد فئة من المشتغلين بتحليل ودراسة شؤون الإمارات السياسية والاقتصادية تنادي بالتخطيط للنمو المتوازن، وتؤيد الجهود الرامية إلى تكييف التخطيط، لكي يخدم الأهداف بعيدة المدى للتنمية الشاملة المستدامة، بمعنى إتباع أساليب وأنماط مركبة، ويصبح هناك تخطيط استراتيجي مختلط، تسيطر الدولة على جانب منه، وتسيطر مؤسسات المجتمع المدني على الجانب الآخر. وتنظر هذه المجموعة إلى أسلوب التخطيط الغربي القائم على فكر الوسطية على أنه الأسلوب المناسب لفهم مجتمع الإمارات، وإلى التنمية الحذرة على أنها الوسيلة الناجعة التي يمكن للدولة عن طريقها تحديد مساراتها المستقبلية. ويقابل ذلك التيار الذي يعارض هذا النمط المختلط من التخطيط التنموي، ويمثل هؤلاء وجهات نظر سياسية متعددة، ويرون بأن التخطيط التنموي المتوازن أمر غير ممكن التحقيق بسهولة. ويبدو بأن هذه الفئة تخاف من خطورة التداعيات السلبية، التي يمكن أن تنتج عن استخدام أساليب التخطيط الغربي، التي خرجت ونمت وتطورت على أسس من الظروف الموضوعية الخاصة بالمجتمعات التي خرجت فيها وتطبيقها على مجتمع الإمارات العربي - المسلم الذي تسود فيه قيم اجتماعية ودينية خاصة به. بالنسبة لهذه النقطة يحضرني ما قيل حول "إيران- الشاه" كنموذج واجه الفشل بأن من المظاهر غير السوية وحتى الخطيرة التي تصطبغ بها علاقات الغرب بالبلاد الإسلامية هو تزايد تصدير المقولات والأنماط الغربية الجاهزة لتطبيقها، فهذه المجتمعات المحافظة غير قادرة على هضم المقولات الغربية واستخدامها استخداماً مثمراً. د. عبدالله جمعة الحاج Summary محمود