"العولمة" هي أحد أشكال الهيمنة الغربية الجديدة المعبرة عن المركزية الأوروبية في العصر الحديث، التي بدأت منذ الكشوف الجغرافية في القرن الخامس عشر ابتداءً من الغرب الأميركي والتفافاً حول أفريقيا حتى جزر الهند الشرقية والصين. بدأ النهب الاستعماري للسكان من أفريقيا، وللثروات منها ومن آسيا والعالم الجديد لتكوين الإقطاع الأوروبي في عصر الإصلاح الديني في القرن الخامس عشر، ثم النهضة في السادس عشر، ثم العقلانية في السابع عشر، حيث تحول الإقطاع إلى ليبرالية تجارية، ثم الثامن عشر، وعصر التنوير الأوروبي في التاسع عشر، والثورة الصناعية الأولى والنهب الاستعماري الثاني في صورة الاستعمار القديم لأفريقيا وآسيا في القرن العشرين، واندلاع حربين أوروبيتين على أرض الغرب سميتا الحربان العالميتان الأولى والثانية. وبعد عصر التحرر من الاستعمار في القرن الماضي بدأت أشكال الاستعمار الجديد في الظهور باسم مناطق النفوذ، والأحلاف العسكرية في عصر الاستقطاب، والشركات متعددة الجنسيات، واتفاقية تعريفة التجارة الخارجية، واقتصاد السوق، ومجموعة الدول الصناعية الثماني. والعالم ذي القطب الواحد، وثورة الاتصالات، والعالم قرية واحدة. كما تظهر العولمة في إحكام الحصار حول مناطق الاستقلال الاقتصادي أو السياسي أو الحضاري عن المركز. فاحتمال ظهور قطب ثانٍ وارد حضاريّاً من المنطقة العربية الإسلامية بإرثها الثقافي التاريخي الطويل. وتظهر أيضاً في إحكام الحصار الاقتصادي حول آسيا كما حدث في انخفاض العملات الآسيوية المحلية أخيراً والمضاربات في أسواق الأوراق المالية نظراً لأن ماليزيا تحاول أن تنمو وهي مستقلة ثقافيّاً ومتميزة حضاريّاً. فالمركز لا يقبل إلا التبعية المطلقة لضمان استقرار السوق. أما أميركا اللاتينية، فمشغولة بمشاكلها الداخلية، العنف، والجريمة المنظمة، والمخدرات، والفقر، والبطالة. فقد انتهى عصر جيفارا. وخفت لاهوت التحرير و"تأمرك" الشباب، وتميَّعت الثقافة الوطنية، فلا هي هندية أو أفريقية، ولا هي إسبانية برتغالية، لاتينية غربية، ولا هي أميركية شمالية، فلا يوجد إلا الوطن العربي الإسلامي الذي يحتمل أن يأتي منه التحدي للعالم ذي القطب الواحد. ومن هنا تأتي معاداة الغرب للإسلام بوجه عام، والتركيز عليه بالضرب والحصار والتهديد. والعولمة تعبير عن مركزية دفينة في الوعي الأوروبي تقوم على عنصرية عرقية وعلى الرغبة في الهيمنة والسيطرة. فالأبيض أفضل من الأسود والأصفر والأحمر والأسمر، استأصل الهنود الحمر من أميركا وأستراليا، وسرق الأفارقة السود في بداية العصور الحديثة لبناء القارة الجديدة، وتم احتلال العالم العربي الإسلامي الأسمر. وألقيت أول قنبلة نووية على الجنس الأصفر في هيروشيما وناجازاكي. وفي قلب كل أوروبي، ما زالت تقبع اليونان القديمة، وفتوحات الإسكندر الأكبر وانتصاره على الفرس، وانتشاره حتى الهند، وعسكرية أسبرطة وإمبراطورية روما. البحر الأبيض المتوسط بحيرة أوروبية، تسيطر على ضفته الشمالية، جنوب أوروبا، وعلى ضفته الجنوبية، شمال أفريقيا أو المغرب العربي، وتسيطر إسرائيل على ضفته الشرقية في فلسطين. وتظل إسبانيا محتلة لسبتة ومليلة، وبريطانيا جبل طارق. فلما انقلبت الموازين، وورث العرب المسلمون الإمبراطورية الرومانية على جميع ضفاف البحر الأبيض المتوسط في الجنوب، في مصر والمغرب العربي، وفي الشرق فلسطين، وفي الشمال في بحر إيجه، وجنوب إيطاليا وجنوب فرنسا وإسبانيا وكل جزر البحر الأبيض المتوسط، أراد الغرب الثأر في الحروب الصليبية، هذه المرة تحت غطاء الدين واسترداد السيطرة على البحر. فلما فشلت الحملة الصليبية استؤنفت من جديد في الاستعمار الجديد بالالتفاف حول أفريقيا وآسيا ثم إعادة التوجه نحو القلب عبر البحر في فلسطين. وبعد حركات التحرر الوطني، استقل العالم العربي في جنوب البحر، ورد الغرب إلى حدوده الطبيعية على المستوى العسكري وإن بقيت آثاره على المستوى الاقتصادي والسياسي والثقافي. وأراد الغرب أن يعيد الكرة في مرحلة ما بعد التحرر فأفرز أشكالاً جديدة للهيمنة عن طريق خلق مفاهيم وزعها خارج حدوده مثل العولمة، العالم ذي القطب الواحد، نهاية التاريخ، صراع الحضارات، الإدارة العليا Governance، ثورة الاتصالات، العالم قرية واحدة، الكونية، وكلها مفاهيم بريئة تكشف عن سيطرة المركز على الأطراف في تاريخ العالم الحديث، وتجعل المثقفين في العالم الثالث يلهثون وراءها بالشرح والتفسير والتعليق والتهميش دون أن يعلموا أن التهميش ليس الكتابة على النص بل الإخراج من التاريخ، ودعوة إلى التقليد في الأطراف وترك الإبداع للمركز وحده. وبمجرد نهاية الاستقطاب برز مفهوم العولمة لإحكام السيطرة على العالم باسمه ولصالح المركز ضد مصالح الأطراف. واجتهد المفكرون العرب في ترجمة Globalization عولمة أو كونية. ويستحسنها البعض؛ لأن الهامش سيجد له مكاناً في المركز ولو في حوار على رغم إخفاق حوار الشمال والجنوب. والحوار العربي الأوروبي، وحوار الشرق والغرب. وأصبح كل من يدافع عن الخصوصية والأصالة والهوية الثقافية والاستقلال الحضاري رجعيّاً، أصوليّاً، إرهابيّاً، متخلفاً، ماضويّاً... إلخ، مع أن الدفاع عن العولمة يأتي من دول العرب التي تساهم في اقتصاد السوق وتشتري أسهم الشركات الأجنبية. كما انتشر مفهوم الإدارة العليا Governance، أي مركزية التحكم وإصدار القرارات على حساب المؤسسات، واللامركزية، والعمال وفائض الإنتاج. وازدهرت كليات الأعمال والإدارة Business & Administration، وأنشئت الجامعات الخاصة المنتقاة لتكوين رجال أعمال المستقبل في "افران" مثل "جامعة الأخوين" في المغرب، حيث تدخل الثقافة الإنجليزية لأول مرة مخترقة الثقافة الفرنسية بعد تحول المركز الثقافي اللغوي من الفرانكفونية إلى الأنجلوفونية. ولا فرق في البنية بين العولمة والإدارة العليا في إعطاء الأولوية للمركز عن الأطراف. كما صدَّرت مراكز البحث الاستراتيجي في الغرب خاصة في الولايات المتحدة مفهوم "نهاية التاريخ" بعد انهيار المنظومة الاشتراكية وانتصار الرأسمالية وكأن منتهى التاريخ قد تحقق، أو كأن الزمن قد انتهى، والقيامة قد قامت. ولم يعد هناك تطور ولا تغير ولا انتقال إلى مرحلة أخرى قادمة. فتم الحكم على المستقبل وإيقاف دورات الزمن. وضاعت أزمات الرأسمالية في زحمة الإعلام، وسيطرة الرأي الواحد على شبكات الفضاء. ووقعت حضارة التقدم المستمر في تناقض مع نفسها بإيقاف التقدم وإعلان نهاية التاريخ. مع ان التاريخ يبدأ دورة جديدة في حضارات أخرى، نهضة وتقدماً وحداثة كما هي الحال في الشعوب المتحررة حديثاً. وإن كان تم إخراج مفاهيم العولمة أو الكونية والإدارة العليا ونهاية التاريخ لتقوية المركز، فإنه قد تم نحت مفاهيم أخرى أيضاً للتصدير خارج المركز إلى الأطراف مثل مفاهيم "ما بعد الحداثة" نهاية عصر الحداثة الذي ارتبط بالقانون والنظام، والتنظير والتعقيل والترشيد، والتحكم في قوانين الطبيعة، وغائية الإنسان والكون، والتقدم والطموح، وهي المفاهيم التي قامت عليها حضارة المركز ذاته منذ بداية عصوره الحديثة وحتى الآن، وبالتالي بداية عصر الفوضى في الطبيعة، والمعاداة للمنهج، وهد العقل، والتعددية بلا غاية أو هدف، وغياب الحوار والتفاهم والتخاطب، وكأن الغرب بعد ما نعم بالحداثة ومآثرها واكتفى منها وسئمها يريد هدمها، وبما في الغرب من قوة على التجاوز يحاول منع الحضارات الأخرى من الوصول إليها والاستفادة منها خاصة أنها في مرحلة التحول من القديم إلى الجديد، ومن التراث إلى الحداثة، ومن الماضي إلى المستقبل. وأخيراً، يتم تصدير "صراع الحضارات" للنطق بما كان مسكوتاً عنه سلفاً ولتحويل العالم إلى دوائر حضارية متجاورة ومتصارعة على مستوى الثقافات لإخفاء الصراع حول المصالح والثروات، وإلهاء الشعوب الهامشية بثقافاته التقليدية. بينما حضارات المركز تجمع الأسواق، وتتنافس في فائض الإنتاج عوداً إلى النغمة القديمة، مادية الغرب وروحانية الشرق، الحضارة اليهودية المسيحية في مواجهة الحضارة الإسلامية البوذية الكنفشيوسية.