تكمن وراء الاستمرار الظاهري للطرق الصوفية، بوصفها تمثل تجمعات تقليدية، محاولات دائبة ودائمة للتجدد والتكيف مع التغيرات، ونجاح مستمر في إعادة تعريف الذات والمعايير وأنساق القيم، وتطوير الدور التاريخي التقليدي ليواكب المستجدات والتطورات التي لا تتوقف أبداً. وقد شمل هذا التحديث الخطاب والممارسة معاً، حيث تبنت الطرق الصوفية العديد من مقولات "الإصلاح الديني" من دون أن تتخلى عن خصوصيتها، التي تميزها عن الأشكال الأخرى لجمعنة الدين، أو تحويله إلى ظواهر اجتماعية عبر أنماط محددة من التدين. ويتوازى هذا مع تجديد المتصوفة لمؤشرات القيم وأنماط التصرفات، ما جعل بعض الطرق الصوفية، إن لم يكن أغلبها، تصبح عنصر جذب للعناصر المحدثة، لاسيما في المجتمعات الحضرية، بعد أن تخلص مريدوها من الشوائب والخرافات التي تصم غيرهم من المنضوين تحت لواء الطرق الصوفية العاجزة عن مواكبة التحديث، وأبدوا وعياً ظاهراً بأهمية الرهانات السياسية، حتى ولو لم يتورطوا فيها بصفة مباشرة. ومن هنا يمكن الحديث عن طرق صوفية إصلاحية بطبعها، جنباً إلى جنب مع الطرق التي تم فرض الإصلاح عليها، إما بفعل الضغط الاجتماعي أو بحكم ما تفرضه الجماعات والتنظيمات الإسلامية المسيّسة، أو حتى الذي تطلبه السلطة السياسية في إطار حرصها على أن تظل الطرق الصوفية مصدر جذب للباحثين عن الامتلاء الروحي والدفء الاجتماعي، بدلا من أن ينخرطوا في صفوف جماعات تناصب السلطة العداء. وهناك عامل مهم في هذا المضمار يتمثل في وجود بعض القيادات أو الرموز الإصلاحية داخل طرق صوفية معينة، يهمها أن تحفظ للتصوف جلاله، بعيداً عن المظاهر الاحتفالية الفولكلورية التي تنزلق إليها بعض الطرق. وهذه الكوابح ساعدت بعض الطرق على أن تؤمن الحد الأدنى أو المقبول من الممارسات والسلوكيات، جنباً إلى جنب مع بناء شبكة من الخدمات الاجتماعية، والأعمال الخيرية. ففي مصر نجد أن العشيرة المحمدية قطعت شوطاً بالغاً على هذا الدرب، والحامدية الشاذلية توغلت إلى حد بعيد فيه بعد أن أقامت بنية تنظيمية متكاملة الأركان، والطريقة العزمية، اتسمت بطابعها الإصلاحي منذ لحظة انطلاقها، حين أظهرت بعض الالتزام القومي والوطني، عبر المشاركة في حركة الكفاح المدني ضد الاحتلال الإنجليزي لمصر، والمساهمة في الحرب ضد إسرائيل عام 1948. ومن قبل ذلك انخرط بعض مريدي الطريقة الخلوتية في أعمال الثورة العرابية 1882، وظلوا على حالهم من التمرد والثورة حتى بعد هزيمة عرابي واحتلال الإنجليز لمصر. وكانت أشهر مجموعات الخلوتية اشتراكاً في الثورة العرابية هي مجموعة القاياتية في محافظة المنيا (صعيد مصر) بقيادة محمد عبدالمجيد، الذي تمكن الإنجليز من اعتقاله وصدر قرار بنفيه هو وأخوه وخمسة من مريديه إلى بيروت. وفي تركيا مثلا استطاعت النقشبندية أن تعزز مواردها الاقتصادية، وتجلب إليها تعاطف بعض السياسيين، وسعيهم في الوقت ذاته إلى توظيف قدراتها الاجتماعية وطاقتها الروحية لخدمة مشروعهم السياسي، لكنها لم تتخلَّ عن قديمها، أو مسلكها التقليدي، ممثلا في إحياء بعض القيم العثمانية، والعودة إلى ألفة التكايا، مستغلة الأوقاف التي تشكل القاعدة الاقتصادية للطرق الصوفية. وقد استغلت النقشبندية بعض هذه الموارد في تعزيز مشروعات التحديث من خلال دعم الأنشطة التي تتعلق بالأعمال التربوية والتعليمية، مثل دور النشر والمطبوعات، وتقديم بعض المنح الدراسية. وهناك حالات عديدة لمتصوفة وطرق صوفية تماهت مع مشروعات الحداثة، إما بالمساهمة في صناعتها، أو مجاراتها، أو الوقوع في فخ قشور التحديث ومظاهره من دون التوغل إلى جوهره العامر بالمعاني والإنجازات. وتبدو قشور التحديث في مسلك أتباع الشيخ الأمين عمر الأمين بالسودان مثلا. وعلى النقيض من ذلك هناك صوفية انطلقت إلى جوهر التحديث وساهمت في صنعه، مثل الجماعة التي تحلقت حول الشيخ فتح الله غولان في تركيا، وهو تلميذ الشيخ سعيد النورسي. فغولان ليس شيخاً تقليديّاً بالمعنى الحرفي للكلمة، ولا شيخ طريقة صوفية، ولا هو بالسياسي الذي يتخذ من الإسلام أيديولوجية له، بل هو مزيج من ذلك كله، وإن كان أظهر ما في شخصيته الوعظ والتربية النابعة من الإسلام. وقد قدم نموذجاً فريداً للعمل الإسلامي في ظل ظروف بالغة الصعوبة، وتمكن من أن يمضي في عمله وحركته بعيداً عن المحن والابتلاءات التي واجهها الكثير من الحركات الإسلامية في المشرق العربي تحديداً، فتحايل على العلمانية التركية، وانطلق إلى العالمية من خلال تبنيه لفكرة مهمة وهي أن الدعوة للإسلام لابد أن تسير مهما قست الظروف أو استعصت. وقد دعا غولان تلاميذه إلى الاستفادة من أجواء الانفتاح التي شهدتها تركيا، ففتحوا البنوك الإسلامية، وأنشأوا محطات الإذاعة والتلفزيون والمدارس والجامعات. ويرى مختار غامبو أن الطرق الصوفية صارت تشكل ثقافة شبابية في بلد مثل المغرب، بعد أن استوعبت جميع أفراد المجتمع على اختلاف أعمارهم وأنواعهم ومكانتهم وتوجهاتهم ومشاربهم، وجذبتهم إلى تسامحها وتفسيراتها "المرنة" للدين ونبذها التطرف، وتبنيها للتحديث والحداثة، وإعلائها الاهتمام بمبادئ إنسانية وجمالية، بما يتيح للأفراد أن يعيشوا نمطاً متوازناً يسمح لهم بالاستمتاع بالفنون والموسيقى والحب دون أن يضطروا للتنازل عن التزاماتهم الروحانية والدينية. وعلى التوازي استعار عازفو موسيقى "الراي" و"الراب" و"الهيب هوب"، على رغم حسيتها وماديتها ودنيويتها، بالأشعار الصوفية في غنائهم. ويظهر أثر الصوفية على الثقافة الشبابية بشكل أكثر وضوحاً في كلمات أناشيد فرقتين شعبيتين هما فرقة "ناس الغيوان" ومطربو "الغناوة" الصحراويون، اللتان تكونتا في سبعينيات القرن العشرين. وفي المغرب أيضاً، وبعيداً عن علاقة الصوفية بالفنون الحديثة، فقد لعبت الطرق أدواراً ملموسة، على المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، لاسيما في عهد الدولة العلوية. ومن الأدوار الاجتماعية والعمرانية التي قدمتها الطرق الصوفية المغربية، توفير الإيواء لعدد من أبناء السبيل، وإطعام الطعام ولاسيما في أوقات المجاعات، وتأمين الطرق بالهيبة والرهبة، وحماية الناس من العمال الظالمين، وضمان التوازن وتدبيره بين جماعات تحتاج إلى توازن القوى فيما بينها، والإشراف على بعض شؤون الإسكان والتدخل لفض النزاعات التي تنشب حوله، وكسر الحواجز القبلية أو تليينها، والعمل على دمج المهمشين والغرباء في المجتمع. وهناك دور اقتصادي للطرق الصوفية المغربية مثل استصلاح الأراضي، وغرس الأشجار، وحفر الآبار، وتوفير سياج لحماية الطوائف الحرَفية في المدن، والإشراف على أمن الأسواق، والعمل على ربط الكثير من المناطق تجاريّاً. وفي المقابل فإن المتصوفة المغاربة يعملون على ضمان الولاء للإمامة، ولا يتعدى دورهم السياسي الإيجابي حاجز التوسط في الخير بين الحاكم والمحكومين.