مرت ثلاث سنوات تقريباً على فشل بنك الاستثمار الأميركي "بيرن سترينز" الذي أطلق الشرارة الأولى للأزمة المالية الطاحنة وما تلا ذلك من تداعيات مازالت مستمرة إلى اليوم، تلك التداعيات التي أربكت صناع القرار الأميركي كما هزت ثقة المستثمرين في نظام كان يُعتقد أنه أقوى من أن يزعزع أركانه إفلاس بنك هنا أو تعثر مؤسسة مالية هناك، ليستيقظ العالم بأسره وليس أميركا وحدها على فداحة الخسائر التي عصفت بمدخرات الآلاف من الأميركيين وبأحلام تقاعدهم المريح، أو ببيت يدفع بالتقسيط على مدى سنوات طويلة... وللحظة بدا وكأن الصرح الاقتصادي المتين على وشك الانهيار، وأن بيت الاقتصاد العالمي المحصن ليس أكثر من واجهة هشة، فما كان من المسؤولين في العالم الغربي إلا المسارعة باتخاذ إجراءات عاجلة وسن القوانين الضرورية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه دون التريث لفهم ما جرى واستكناه الأسباب التي قادت إليه، تلك الأسباب التي يحاول "ريتشارد بوزنر" من موقعه كمتابع للأزمة، ولقضايا فكرية أخرى، رصْدها في كتابه الذي نعرضه هنا، "أزمة الديمقراطية الرأسمالية". فالكاتب يتحفظ على المبالغة في التركيز على الإجراءات العلاجية قبل معرفة الداء وتشخيص الحالة الاقتصادية، وكيف حلت الأزمة وعصفت بالاقتصاد إلى درجة أن انطباعاً يسود في أوساط الساسة الأميركيين بأن سن القوانين هو ما يبرر العجز الذي أبدوه ومعهم الخبراء في رؤية الانهيار والتهيؤ له فيما يشبه هروباً إلى الأمام، أو رغبة في تجنب المسؤولية من خلال البحث عن حلول مستعجلة وفورية. ويمكن رصد الحركة التي تدب في واشنطن هذه الأيام من خلال مشاريع القوانين التي تهيأ لتنظيم السوق المالية من جهة ولوضع القواعد الرقابية الضرورية لتفادي تكرار الأزمة من جهة أخرى، بحيث يشير الكاتب إلى مشروع النائب في مجلس النواب، بارني فرانك الذي يقضي باستحداث وكالة فدرالية لحماية المستهلك من شطط المؤسسات المالية التي لا تتورع عن بيعه مشتقات مالية واستثمارية بالغة التعقيد والخطورة، هذا بالإضافة إلى قانون السيناتور "دريستوفر دود" الذي كشف عنه النقاب في شهر مارس الماضي ويتجه هو الآخر إلى إنشاء وكالة خاصة لحماية المستهلك بصلاحيات أقل دون التدخل في تعويضات مدراء المؤسسات المالية الكبرى. لكن هذه الإجراءات وغيرها من التي تحفل بها الصالونات السياسية في واشنطن، لا يجب حسب الكاتب أن تقفز بنا عن الأسباب الحقيقية للأزمة؛ لأن الحل في نظره يعتمد أساساً على فهم ما جرى. وفي هذا السياق يرى الكاتب أن الأزمة هي نتيجة ثلاثة إخفاقات ترجع إلى فشل السياسة النقدية التي انتهجها الاحتياطي الفدرالي بعدما أبقى نسب فائدة منخفضة طيلة الفترة بين 2001 و2004 ما شجع على الإقراض وأتاح سيولة كبيرة فتحت شهية المضاربين والبنوك على ابتكار أساليب جديدة لكنها غير آمنة، لترويج الأموال والجري وراء الأرباح. يضاف إلى ذلك إخفاق آخر للاحتياطي الفدرالي متمثلا في عجزه عن ممارسة دوره الرقابي ومساءلة البنوك والمؤسسات المالية عن احتياطاتها المالية من جهة ومعاملتها للمستهلك من جهة أخرى. وأخيراً هناك فشل فكري تجلى في إخفاق الأكاديميين والخبراء الاقتصاديين في توقع الأزمة، بل والتصاقهم بمقولات دأبوا على تكرارها مثل الإصلاح الذاتي للسوق والتحذير من تدخل الدولة على النمو، وهي تحذيرات سيتبين لاحقاً تهافتها وعجزها عن قراءة الواقع الاقتصادي بثغراته الكبيرة. ويبدو أن الكاتب في تحليله لملابسات الأزمة لا يخفي تحيزه للمفكر الاقتصادي كينيز بنظريته الداعية إلى حضور الدولة في الاقتصاد، فهو يعتقد أن الطبقة السياسية الأميركية ارتكبت خطأين؛ الأول عندما فشلت في استشراف الأزمة قبل حدوثها، والثاني عندما سمحت بانهيار بنك "ليهمان برادرز" متسبباً في زعزعة الثقة في الاقتصاد وإحجام البنوك عن الإقراض، وعندما تزايدت النقمة الشعبية على فشل الاقتصاد جاءت ردة فعل الطبقة السياسية ممالئة للعامة في غياب شبه تام لرؤية واضحة، بحيث تم التركيز في البداية على رواتب المدراء، رغم أن الحل لم يكن ليخرج عن أيدي الدولة كما حدث لاحقاً عندما سارع الكونجرس إلى إقرار خطة الإنقاذ وتدخل الحكومة الفدرالية لشراء الديون المُعدمة وضمان ودائع المواطنين، لكن في كل ذلك لم يلم أحد المسؤولين الحكوميين ولم يشر إليهم في حملة تبادل الاتهامات التي تلت اندلاع الأزمة، بل بدا الأمر وكأن الخطأ كله ملقى على عاتق القطاع المالي في حين يؤكد الكاتب أن المسؤولية تتحملها في جزء كبير منها الجهات الحكومية مثل الاحتياطي الفدرالي الذي استهان بتقدير مخاطر المضاربات المالية وتخلى عن مهامه الرقابية. زهير الكساب الكتاب: أزمة الديمقراطية الرأسمالية المؤلف: ريتشارد بوزنر الناشر: جامعة هارفارد تاريخ النشر: 2010