في التصور الغربي لمنطقة الشرق الأوسط، يبدو تأثير العقيدة الإسلامية متعاظماً ومتسعاً إلى حد يثير مخاوف الكثيرين في الغرب. وأشد ما يثير المخاوف الغربية، رؤية المراقبين والمحللين لتراجع دور وتأثير الديمقراطيين العلمانيين في الدول الإسلامية، لصالح صعود دور المتطرفين في العديد من تلك الدول. وقد تضاعفت هذه المخاوف بصفة خاصة بسبب هجمات 11 سبتمبر 2001 على الولايات المتحدة الأميركية، وما تبعها من إعلان الحرب على الإرهاب. ثم توالت سلسلة من الهجمات الشبيهة على عواصم دول أخرى، منها لندن في عامي 2005 و2007 وكذلك الهجمات على قطارات مدريد... إلى آخره. وتضاف إلى هذه القائمة بالطبع محاولة المتطرف النيجيري عمر الفاروق تفجير طائرة أميركية أثناء هبوطها في مطار ديترويت قبل بضعة أشهر، ثم مؤخراً، محاولة شاب أميركي باكستاني الأصل تفجير سيارة مفخخة في ميدان "تايمز سكوير" بمدينة نيويورك... وهي المخاوف التي يحلل أبعادها ودلالاتها كتاب "اقتصاديات مكة... مسار الطبقة المتوسطة المسلمة الجديدة" لمؤلفه والي نصر. وبسبب هذه المحاولات المتكررة، فقد بدا أي تعبير علني عن الانتماء إلى الإسلام في تلك الدول بمثابة تهديد مباشر لأمن الكثيرين هناك. وهذا ما يتصدى له على وجه التحديد والي نصر في كتابه الذي نعرض له هنا. فما حقيقة تحول الإسلام إلى فزاعة أو كابوس مرعب بسبب هذه الجماعات المتطرفة؟ لا يقلل المؤلف بأي درجة من الدرجات من مدى الخطر الذي تمثله هذه الجماعات -سواء بالنسبة للغرب أم لمجتمعاتها المحلية، خاصة إذا ما وضعنا في الاعتبار عدد القتلى والضحايا الذين تحصدهم العمليات الإرهابية وأعمال العنف التي تنفذها هذه الجماعات في باكستان والعراق وأفغانستان، لكنه يدعو إلى ضرورة التمييز الواضح بين التدين العادي، الذي يميز غالبية المسلمين، والتطرف الذي تعبر عنه جماعات بعينها خلطت الإسلام بأيديولوجيات سياسية في معظم الأحيان. وحسب رأي المؤلف فإنه من الواجب عدم السماح لدور الجماعات المتطرفة أن يطغى على الدور المحوري الذي يؤديه الإسلام في الحياة العامة للشعوب المسلمة. والاستنتاج الرئيسي الذي يتوصل إليه المؤلف في كتابه هو أن الصراع ضد التطرف الإسلامي يمكن الفوز به وحسمه عن طريق الرهان على صعود الطبقة الوسطى الجديدة المسلمة. وهنا يتبنى المؤلف -وهو أميركي من أصل إيراني- رؤية تعول على إمكانية حدوث التغيير المرجو في هذه المجتمعات، عن طريق تدفق التجارة الحرة واندماج المجتمعات المسلمة في نمط الاقتصاد العالمي، بدلاً من سياسة الحصار وفرض العقوبات أو نزعة التدخل العسكري مثلما تكرر في فترات مختلفة من تاريخ المجتمعات المسلمة، آخرها الغزو الأميركي للعراق وأفغانستان. وفي حال الاندماج الكامل لهذه المجتمعات في نمط اقتصاد السوق الحرة -عبر طبقتها المتوسطة الصاعدة- فإنه ليس متوقعاً للنزعة الدينية أن تقل فيها، بقدر ما تصبح هذه المجتمعات أكثر محافظة من الناحية الدينية، وانفتاحاً اقتصادياً في الوقت نفسه. ويلاحظ المؤلف أن التيار العلماني في هذه المجتمعات قد خذلته وحدّت من دوره وتأثيره كثيراً الأنظمة الأتوقراطية الحاكمة، المعادية للاستنارة بحكم تكوينها وطبيعتها. وبذلك فقد ساعدت هذه الأنظمة في تغييب عامل مهم للغاية من عوامل التغيير السياسي والاجتماعي في مجتمعاتها. وطالما أنه لم تلح بعد أي بوادر أمل لتغيير هذه المجتمعات من داخلها -فإنه لا تزال كثير من شعوب المنطقة تشعر بالنقمة على أنظمتها الحاكمة من جهة، وعلى الغرب من جهة أخرى -خاصة الولايات المتحدة- بسبب محاولات فرض تصورها الخاص للديمقراطية على المنطقة. وقد وفرت محاولات الفرض هذه، تربة خصبة نمت عليها الحركات والجماعات المتطرفة، التي استغلت المشاعر الوطنية للشعوب، واستثمرتها لمصلحة الفكر المتطرف الذي تؤمن به ناسبة إياه زوراً للإسلام. وللكاتب رؤيته الخاصة لما تعنيه التجربة التركية في المنطقة. فهناك لعب حزب إسلامي معتدل، مثل "حزب العدالة والتنمية" الحاكم هناك، دوراً بالغ الأهمية في مكافحة التطرف، والتأكيد على انفتاح الإسلام على الممارسة الديمقراطية، وقدرته على الاندماج معها. فقد ظل هذا الحزب يحكم تركيا طوال السنوات الماضية، دون أن يطعن أحد في التزامه بالمبادئ الديمقراطية العلمانية التي تأسست عليها الدولة التركية الحديثة، ودون أن يتشكك أحد في التزام الحزب الحاكم بجذوره ومبادئه الإسلامية. ولا يقتصر دور التجربة التركية في تقديم المثال العملي على إمكانية المزج بين الديمقراطية والإسلام فحسب، بل تدحض التجربة نفسها وجود أي أدلة ملموسة مقنعة على تعارض النزعة المحافظة للمجتمعات المسلمة، مع تطلع المجتمعات نفسها إلى الديمقراطية والازدهار الاقتصادي. عبدالجبار عبدالله الكتاب: اقتصاديات مكة... مسار الطبقة المتوسطة المسلمة الجديدة المؤلف: والي نصر الناشر: وان وورلد بابلكيشنز تاريخ النشر: 2010