كشفت الكتابات الأخيرة في وسائل الإعلام وغيرها من المنابر التي بدت وكأنها تنعي العملة الأوروبية "اليورو" مدى تباين الأمزجة والتوجهات الوطنية والثقافية بين الأجواء الجنائزية التي طغت على أوروبا حول مستقبل الاتحاد في ظل أزمة "اليورو" الراهنة، وبين ابتهاج الأميركيين والبريطانيين لمحنة القارة، حيث شرعوا بالفعل في إهالة التراب على العلمة الأوروبية بعدما بدت وكأنها دخلت مرحلة الاحتضار البطيء. وفي هذه الأثناء نهض اليورو فجأة من تحت الأنقاض واسترد عافيته بحلول يوم الإثنين الماضي معاوداً فرض نفسه كعملة عالمية تحظى بالاحترام ويسعى الجميع لامتلاكها. وقبل ذلك بيوم، وتحديداً يوم الأحد الماضي، كانت المستشارة الألمانية تشارك في الاستعراض العسكري بموسكو تخليداً ليوم النصر الأوروبي في الحرب العالمية الثانية مفضلة الابتعاد عن الإهانة التي تعرض لها حزبها في انتخابات ولاية "راين ويستفاليا" الشمالية بعد خسارة قاسية بسبب امتعاض الناخبين من إهدار الأموال الألمانية على اليونانيين المبذرين الذين ينعمون بدفء الشمس طوال العام في أجواء من الإسراف والكسل. وبالموازاة مع ذلك كانت بريطانيا تعيش لحظة من الفراغ السياسي بعد انتخابات غير حاسمة أجريت في الأسبوع الماضي، وفيما كانت ألمانيا تعض على أصابعها مترددة في مساعدة اليونان ومتخوفة من التداعيات الداخلية على توجهات الناخبين الغاضبين، تدخلت الحكومة الفرنسية بقيادة ساركوزي لحسم الموضوع بالتوصل إلى صفقة تتيح مساعدة الدول الأوروبية المتعثرة للحيلولة دون انتقال العدوى إلى باقي الاقتصادات. فقد رأى الرئيس الفرنسي أن من الخطورة بمكان ترك العملة الأوروبية مكشوفة الظهر، ولذا فلابد من تدخل الدولة لدعم العملة والاقتصاد معاً. وبدلا من النظرية الاقتصادية التي روج لها ريجان وألان جيرسبان وغيرهما مثل مدرسة شيكاجو الاقتصادية المعروفة بليبراليتها المطلقة ظهرت نخبة جديدة يقودها "دومينيك ستروس كان" الفرنسي الذي يرأس صندوق النقد الدولي، مع الفرنسي الآخر"جان كلود تريشي" الذي يقود المصرف المركزي الأوروبي، وفي مقدمتهم جميعاً ساركوزي المتزعم الفعلي لخطة إنقاذ اليورو من بروكسل. وما تم التوصل إليه عشية يوم الإثنين الماضي عندما أُعلن عن اتفاق الدول الأوروبية على إنقاذ اقتصاد اليونان واستحداث آلية للتعامل مع البلدان الرازحة تحت وطأة الديون هو تخصيص ما بين 750 مليارا، وتريليون يورو، لانتشال العملة الأوروبية من الأزمة، وبالطبع لم ترصد هذه الأموال كما ورد خطأ في وسائل الإعلام لإنقاذ الجميع، بل جاءت تلك الأموال الأوروبية ومن ورائها صندوق النقد الدولي لتسديد قيمة القروض التي منحتها البنوك إلى الحكومات، وهو ما خفض سعر الفائدة على الديون التي منحتها البنوك، وأثر سلباً على الأسواق العالمية التي خشيت على استثماراتها في السندات الحكومية. ومن بين أصحاب الأسهم الذين استثمروا في اليونان وشعروا بخطورة الوضع وهشاشة الاستثمارات برزت البنوك الألمانية، ولاسيما أنها لم تتدارك بعد محنتها الخاصة مع المؤسسات المالية الأميركية وانفجار فقاعة المشتقات المالية والأوراق غير القابلة للصرف، بحيث بدا الأمر وكأنها مجموعة من المغفلين الذين تعرضوا للنصب مرتين! لكن بعد تدخل الحكومات الأوروبية بتحريض من فرنسا عاد الأوروبيون إلى قناعتهم القديمة بأن المشروع الأوروبي لا يتقدم إلا في أجواء الأزمات، وهي قناعة على رغم ما قد يحيط بها من شكوك وتساؤلات إلا أن التطورات الأخيرة أثبتت فيها إلى حد الآن صحة طرح ساركوزي وهو أحد أبرز المروجين لها. غير أن الصعوبات لم تنته بعد بالنسبة للاتحاد الأوروبي الذي عليه إقرار إجراءات تقشف صارمة تحذر وسائل الإعلام من تداعياتها السلبية على الرأي العام، بل لقد ذهب البعض إلى أن التقشف قد يعيق النمو الاقتصادي ويخلق بيئة مواتية لتأبيد الأزمة والركود، ذلك أن التقشف حسب المتشائمين يضرب القدرة الاستهلاكية للمواطن، كما لن تتمكن الحكومات من مواصلة إنفاقها على البرامج الاجتماعية كما ستضطر إلى فرض المزيد من الضرائب على الأغنياء، هذا بالإضافة إلى خفض المعاشات وتمديد سن التقاعد. وبالنسبة للشركات عليها من الآن فصاعداً دفع الضرائب وإن كانت هذه الأخيرة، وخصوصاً الشركات الأميركية، تنقل أموالها إلى الملاذات الضريبية في الخارج حيث تحتفظ بمقراتها وتكتفي في الأخير بتوزيع الأرباح على المساهمين دون استفادة السلطات العمومية من مداخيل الضرائب. وحسب تقرير نشرته صحيفة "واشنطن بوست" في شهر فبراير من عام 2009 لا تتعدى نسبة ضرائب الشركات الأميركية ثلث مجموع مداخيل الدولة من الضرائب، وهو وضع في تناقض واضح مع فرنسا على سبيل المثال التي تتجاوز فيها ضرائب الشركات مجموع دخل الدولة من باقي أنواع الضرائب الأخرى. والحقيقة أنه يمكن تصحيح هذا الوضع بسن قانون ينص على تحصيل ضرائب الشركات الأميركية من إجمالي الأرباح التي توزع على المساهمين حتى لو اختارت الشركة مقراً في بلد أجنبي، وبالطبع من غير المرجح أن يمرر الكونجرس الأميركي قانوناً مماثلا بسبب الضغوط والتمويل الانتخابي الذي تغدقه لوبيهات الشركات على النواب. وقد وصل بنا الأمر في الولايات المتحدة إلى نموذج اقتصادي يشبه الفضيحة الأخلاقية لأنه في الوقت الذي تدفع فيه ملايين الدولارات كتعويض لمديري البنوك تتراجع في المقابل الخدمات الاجتماعية في بلد يضم أكبر الشركات وأغناها على الإطلاق، ولذا لا يمكن إرجاع الأزمة الحالية لدول مثل اليونان، أو إسبانيا، أو إيطاليا، حتى وإن بالغت في نفقاتها، بل إنها ترجع إلى الولايات المتحدة التي قادت طيلة الفترة السابقة نموذجاً اقتصاديّاً يقوم على المقامرة بأموال الغير. ويليام فاف كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "ميديا تريبيون سيرفسز"