لأول مرة منذ سنوات طويلة تهيمن القضايا الاقتصادية والمعيشية على أجواء الانتخابات في كثير من بلدان العالم، والتي كان آخرها الانتخابات البرلمانية البريطانية، إذ ربما يعتبر هذا الاهتمام بالقضايا الاقتصادية أمراً طبيعيّاً ناجماً عن تداعيات الأزمة المالية العالمية التي لا زالت ترسباتها تعصف ببعض الاقتصادات، وذلك على رغم تجاوز الكثير من هذه التداعيات المؤلمة. وقد انصبت الأمور في هذا الاتجاه على توجيه انتقادات لاذعة للسياسة الاقتصادية لحزب "العمال" وزعيمه "براون" صاحب الحقيبة الحمراء الشهيرة التي عادة ما يحملها وزير المالية، والتي حملها براون لسنوات طويلة أثناء رئاسة سلفه "بلير" للحكومة. وضمن هذه القضايا المهمة تجدر الإشارة إلى أحد أهم الأسئلة الجوهرية التي طرحتها إحدى الناخبات على "براون" في المناظرة التلفزيونية الثالثة والأخيرة، حيث تساءلت أثناء حديثها قائلة: "لقد كان في مدننا الكثير من المصانع والمعامل قبل خمسة عشر عاماً، إلا أن العديد منها اختفى وربما انتقل إلـى بـدان أخرى، فهل اقتصادنا قائم فقط على المتاجـر والمـكاتب" (Shops & Offices)؟ مما أثار إعجاب مدير المناظرة والحاضرين بشكل عام. ويعكس هذا التساؤل قلق البريطانيين من الاعتماد المتزايد لاقتصادهم على قطاع الخدمات والمضاربات المالية التي كانت سبباً رئيسيّاً لحدوث الأزمة المالية العالمية، التي ألحقت ضرراً بالغاً بالاقتصاد البريطاني، كما هو الحال مع كثير من الاقتصادات العالمية. ومن المعروف أن بريطانيا العظمى تعتبر المركز الذي انطلقت منه الصناعة الحديثة في العالم قبل أكثر من قرنين من الزمن، إلا أن المدن البريطانية التي اكتسبت شهرتها من بعض الصناعات كمدينة مانشستر مثلاً التي اعتبرت مركزاً عالميّاً لصناعة النسيج، تحولت في العقود الماضية إلى مركز للخدمات التعليمية، كما هو الحال مع مدينة اكسفورد الشهيرة. وأما العاصمة لندن، فقد فقدت الكثير من أهميتها الصناعية لتتحول إلى مدينة عالمية للخدمات المالية ومركز لإدارة الأصول والاستثمارات. وعلى رغم أهمية مثل هذا التحول إلا أن قطاع الخدمات لوحده لا يمكن أن يستند الى أرضية قوية دون قطاع الصناعات الإنتاجي، فبدون هذا القطاع الحيوي يصبح قطاع المتاجر والمكاتب هشّاً وقابلا للتدهور السريع أثناء الأزمات والتقلبات الاقتصادية التي يمر بها العالم ضمن دوراته الاقتصادية، وهو ما يفسر تأثر الاقتصاد البريطاني بصورة أكبر من الاقتصادين الألماني والفرنسي من جراء الأزمة العالمية. ومع أن براون حاول الإجابة على سؤال الناخبة بطريقة دبلوماسية، إلا أنه بدا غير مقنِع، ولذا فقد جاءت الإجابة الحقيقية من خلال صناديق الاقتراع، التي لقنت حزب "العمال" درساً قاسيّاً، مثلما لقنت خصومه "المحافظين" الدرس نفسه في منتصف التسعينيات عندما تكبدوا خسارة كبيرة لصالح حزب "العمال". والراهن أن الدروس المستقاة من الانتخابات البريطانية عديدة، وأولها أن الاهتمامات السياسية لم تعد هي محور الانتخابات في بلدان العالم، وبالأخص في أوروبا والبلدان المتقدمة حيث تهيمن القضايا الاقتصادية والمعيشية على اهتمامات الناخبين، وهذه مسألة طبيعية بحكم الوعي الاجتماعي بقضايا تنمية المجتمع، والتطلع إلى المحافظة على مستويات المعيشة المرتفعة التي حققتها هذه البلدان على مدى سنوات طويلة. وتشكل هذه الانتخابات أيضاً درساً لبلدان العالم النامي بصور خاصة، حيث لا زالت الانتخابات تهيمن عليها قضايا سياسية وطائفية وشوفينية عقيمة تؤدي إلى مزيد من التخلف وضياع الفرص التنموية التي يمكن أن تساهم في تحسين مستويات المعيشة من خلال توجيه جهود أفراد المجتمع لتأييد البرامج الانتخابية ذات الطابع الاقتصادي التنموي الذي يصب لصالح كافة الفئات، وهو ما يحظى باهتمام خاص في انتخابات البلدان المتقدمة التي تفرز تنوعاً في المرشحين الفائزين وفقاً لبرامجهم الاقتصادية والاجتماعية التي تساهم في تطور المجتمع وتقدمه.