عندما قررت دول مجلس التعاون الخليجي إقامة نشاطات ومنافسات رياضية بين دولها، وعندما اجتمع مسؤولو الرياضة الخليجية لأول مرة في شهر ديسمبر من عام 1983 في الرياض، كان الهدف الرئيسي من وراء ذلك هو زيادة التقارب بين أبناء دول الخليج العربي، وتقوية العلاقات بين أبنائها ودعم الرياضة الخليجية.. وهذه أهداف سامية وعظيمة ومنطقية في الوقت نفسه من أجل دعم مجلس التعاون من جميع الجوانب.. ولكن يبدو أن ما بناه قادة وأبناء المجلس طوال ثلاثين عاماً سيكون في مهب الريح بسبب "شوتة كرة" أو بسبب دخول الكرة في مرمى فريق وعدم دخولها في مرمى الفريق الآخر. فما يحدث اليوم في ملاعب كرة القدم الخليجية، بل ربما في ملاعب كل الألعاب الخليجية، هو أن أغلبها تشهد استفزازات وخلافات، وفي بعض الأحيان عراكاً بالأيدي، وهذا يتعارض بشكل واضح وصريح مع أهداف إقامة هذه المنافسات الرياضية. وقد أصبح واضحاً أن التنافس غير الصحي بين الأندية والفرق الخليجية صار يتنامى بشكل أكبر يوماً بعد يوم، وصارت الفرق الخليجية تريد الفوز على بعضها بعضاً بأي شكل وأي ثمن! هذا بالنسبة للأندية، أما المنتخبات فقد صار فوز منتخب خليجي على آخر أهم عند بعض الفرق من الوصول إلى كأس العالم! وهذا منطق غريب وغير مقبول وغير صحي يبين مدى ابتعاد الكرة والرياضة الخليجية عن الروح الرياضية التي تتطلبها المنافسات.. ففي أية لعبة فائز وخاسر وكلاهما يجب أن يقبل النتيجة، كما أنه لا يوجد كبير وصغير في كرة القدم وفي الرياضة فمن يفوز يكون هو الكبير حتى يأتي من يتغلب عليه فيصبح أكبر منه، وهذه هي الكرة وبهذه الطريقة تتطور الكرة الخليجية ونتقدم بالرياضة إلى الأمام. أما ما يحدث اليوم في أرض الملعب فلا يؤدي إلا إلى مزيد من التراجعات في الكرة الخليجية. ولو نظرنا إلى الكرة اليابانية والكورية كيف كانت وكيف صارت اليوم سنكتشف "أن الكرة هي التي تلعب بنا ولسنا نحن الذين نلعب بها"! أعجبني موقف الشيخ سعيد بن زايد آل نهيان رئيس نادي الوحدة بعد الأحداث التي شهدتها مباراة نادي الوصل الإماراتي والنصر السعودي عندما طالب بإلغاء بطولة الأندية الخليجية، وهذا مطلب واقعي وشجاع منه، ولا أشك أن هناك العديد من رؤساء الأندية الخليجية لديهم نفس الموقف وذلك ينبع من حرصهم على مصلحة أنديتهم وقناعتهم بقلة جدوى هذه البطولات وكذلك من منطلق حرصهم على أن تبقى العلاقات الأخوية بين دول الخليج قوية. لقد تفاجأت عندما علمت أن هناك أربعاً وعشرين لجنة تنظيمية لألعاب مختلفة في مجلس التعاون هـي: اللجنة التنظيمية لكرة القدم، السلة، الطائرة، الطاولة، اليد، رياضة المرأة، الأسكواش، الجولف، ألعاب القوى، البولينج، الدراجات، الكاراتية، التايكواندو، الرماية، المبارزة، التنس الأرضي، السباحة، المعاقين، الجمباز، السنوكر، رفع الأثقال، الجودو، الطب الرياضي، الفروسية وسباقات القدرة.. ويبدو هذا كثيراً جداً على دول الخليج التي لا تتابع جماهيرها غير كرة القدم.. أما الألعاب الأخرى فلا تلاقي الاهتمام المطلوب فعليّاً كما أنها تبدو ألعاباً مدرسية أكثر من كونها احترافية.. وفي كل الأحوال فإن الألعاب الفردية ليست مشكلة ولا تسبب مشاكل، ولذا فإن بقاءها لا يمثل مشكلة.. وأما الألعاب الجماهيرية فهي التي تسبب المشاكل، وهي التي لا تأتي إلا بفوائد قليلة، ولابد من إعادة النظر فيها بجدية. يحبذ إلغاء "كأس الخليج" والمنافسات الرياضية الخليجية دون الشعور بالندم على إلغائها، فعدم وجودها قد يصبح أفضل للمستقبل، فقد أدت دورها على مدى ثلاثين عاماً تقريباً واستنفدت أغراضها اليوم، فقد أصبحت الرياضة عبئاً على المجلس الخليجي وأبناء الخليج. وما يسهل إلغاء أكثر البطولات والمنافسات والمسابقات الخليجية هو أنها غير معترف بها لا من الاتحاد الآسيوي ولا من الاتحاد الدولي "الفيفا"، ولذا فإن من المنطق إلغاء هذه البطولات والاحتفاظ بدورة الخليج لكرة القدم -على رغم أنها غير معترف بها أيضاً- مع وضع كثير من الضوابط عليها حتى لا تخرج عن أهدافها، وإذا كان لا يمكن ضبطها أيضاً فمن الأفضل إلغاؤها. قد يبدو هذا الموضوع في ظاهره رياضيّاً لكنه بلاشك في باطنه موضوع استراتيجي ويؤثر في مستقبل "التعاون".. فقد أصبحنا نشعر في السنوات الأخيرة بوجود خلافات بين أبناء دول الخليج بشكل أوضح ولم تعد لقاءات الأشقاء من دول الخليج كما كانت في السابق.. فالكلمة صارت تؤثر، والفعل صار يترك آثاراً سلبية في النفوس، ولذا فإن معالجتها أمر في غاية الأهمية. إن خطورة الاختلافات التي تحدث في المنافسات الرياضية بين دول الخليج أنها تؤثر بشكل مباشر على الفئة العمرية الصغيرة من الشباب ابتداء من سن 12 سنة، وهذا يعني أن مستقبل الرياضة في مجلس التعاون قد يتعرض للتراجع، فهذا الصبي الذي في هذا العمر الصغير هو المستقبل وللأسف أنه سينمو وهو يحمل معه ذكريات سلبية -بحكم كون الشباب في هذا العمر لا اهتمامات لديهم إلا الرياضة ولا يطلعون على الإنجازات الأخرى الاقتصادية والسياسية والأمنية- ولذا يتضح أننا ومن خلال ما يحدث في الملاعب الرياضية نضع مستقبل الرياضة بمجلس التعاون في مشكلة حقيقية، وعندما نسمح لهذه المنافسات بالاستمرار على وضعها الحالي فإننا نكون كمن يلعب بكرة النار... وحتى نكون منصفين يجب أن نعترف كإعلاميين بأن الإعلام الرياضي لعب دوراً تحريضيّاً في "بعض" الأحداث الرياضية! وفي أحداث أخرى أساء إدارة الأزمة الرياضية فتسبب في تفاقمها بدلا من لعب دور الاحتواء وهو بحاجة إلى "ضبط"..