رغم أن تسوية مشكلة القدس هي إحدى القضايا القائمة بذاتها في المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية، منذ قمة "كامب ديفيد-2" في يوليو 2000، فهي ترتبط ببعض أهم القضايا التفاوضية الأخرى برباط وثيق. لذلك يصعب تصور إحراز تقدم ذي قيمة في حال تأجيل التفاوض على القدس. وتخطئ إدارة أوباما حين يظن أركانها أن هذا التأجيل يمكن أن يفيد المفاوضات غير المباشرة التي تمكنوا أخيرا من بناء توافق عليها. لذلك ينبغي تنبيههم إلى أن خلافهم مع إسرائيل على الاستيطان في القدس هو جزء من خلاف أكبر على مصير هذه المدينة. وهم يعرفون أن هذا الخلاف ليس جديدا. فالموقف الأميركي الرسمي تجاه قضية القدس كان، منذ البداية، قريبا إلى الموقف العربي الذي يعتبرها ضمن الأراضي المحتلة عام 1967. لكن هذا الموقف الأميركي لم يؤثر في مسار قضية القدس منذ ذلك الوقت. وليس هناك ما يدل على استعداد إدارة أوباما للخوض فيها خلال المفاوضات الجديدة غير المباشرة، رغم أن استبعادها قد لا يكون ممكناً. فالخلاف على الاستيطان في القدس، والذي أعاق الجهود السلمية التي بذلتها هذه الإدارة شهوراً طويلة، يجعل قضيتها حاضرة في كل الأحوال. والأرجح أن يؤدي عدم التفاوض عليها، رغم حضورها هذا، إلى إخفاق المفاوضات غير المباشرة بافتراض أن سياسة حكومة نتانياهو تسمح بإحراز تقدم في القضايا الأخرى. وحتى إذا كان لمثل ذلك الافتراض أساس، سيكون صعباً إحراز تقدم حقيقي في قضايا مثل الحدود والمستوطنات قبل تحقيق حد أدنى من التفاهم على قضية القدس. وهذا ما يغفله الداعون إلى إرجاء التفاوض على مصير القدس من أجل إتاحة الفرصة لإحراز تقدم في القضايا الأخرى. فالارتباط بين قضية القدس وبعض هذه القضايا وثيق، خصوصا قضيتي المستوطنات والحدود اللتين تعتبران محوريتين في العملية التفاوضية. فمن الصعب الوصول إلى حل لهاتين القضيتين بدون تسوية مشكلة مستوطنات القدس، التي تعتبرها إسرائيل أحياء ومدنا لابد أن تبقى ضمن حدودها في أي حل نهائي. وهذه مشكلة جوهرية، إذ يتوقف عليها تحديد عدد المستوطنين في الأراضي المحتلة عام 1967 وهل هم 280 ألف مستوطن في حال استبعاد مستوطنات القدس، أم 485 ألفا هم مجموع مستوطني الضفة الغربية والقدس؟ كما أن حل هذه المشكلة شرط ضروري لتحديد حدود الدولة الفلسطينية، بمعنى أن قضية القدس لا تنفصل عن باقي قضايا المفاوضات، بل تتداخل مع اثنتين من أهمها، بينما يستحيل إحراز تقدم فيها بدون ضغط أميركي على إسرائيل. وهذا ما نأت الإدارات المتعاقبة بنفسها عنه مكتفية بتسجيل موقف ظل نظريا في أفضل الأحوال. وبينما عملت إسرائيل بدأب لفرض أمر واقع يحسم الصراع على القدس فعليا، سعت إلى تقييد حرية بعض الإدارات الأميركية في التعبير حتى عن موقفها النظري، خصوصا في المحطات التي كان لتسجيله فيها مغزى كبير وأثر مستقبلي في مسار الصراع. ومن أهم هذه المحطات مفاوضات السلام المصرية الإسرائيلية التي أحدثت تحولا استراتيجيا في مسار الصراع بمجمله. فقد كانت قضية القدس إحدى أكثر القضايا تعقيدا في مفاوضات كامب ديفيد في سبتمبر 1978، والتي كان هدفها الوصول إلى اتفاق إطار من شقين أحدهما للسلام في الشرق الأوسط والثاني للسلام بين مصر وإسرائيل. وعندما استحال التفاهم على صياغة لمستقبل القدس، حدث توافق على استبعاد هذه القضية من إطار السلام في الشرق الأوسط ومعالجتها في خطاب يوجهه كارتر إلى السادات وبيغين. غير أنه عندما أعد كارتر هذا الخطاب، معبرا عن الموقف الأميركي بوضوح نادر ومقررا أن القدس هي جزء من الضفة الغربية، ثارت ثائرة بيغين والوفد الإسرائيلي. وخرج بيغين فائزا في النهاية، إذ تراجع كارتر وقصر خطابه على التذكير بأن موقف الولايات المتحدة في شأن القدس يظل هو نفسه الموقف الذي أعلنه مندوبها لدى الأمم المتحدة أمام الجمعية العامة في 14 يوليو 1967. وقد ظل الرؤساء الأميركيون الذين أعقبوا كارتر ملتزمين، نظريا كذلك، بهذا الموقف الذي يعتبر القدس منطقة محتلة تُحل مشكلتها عبر المفاوضات. لكن إسرائيل نجحت في تقييد هذا الالتزام منذ يناير 1995 عندما تبنى الكونغرس مشروع قرار بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس، وكرر المصادقة عليه مرات عدة. ورغم أن كلينتون وبوش استخدما صلاحياتهما التنفيذية لإرجاء تنفيذ القرار، فقد أصبح ساكن البيت الأبيض مضطرا إلى التزام مزيد من الحذر تجاه قضية القدس مقارنة بما كان عليه الحال حتى نهاية عام 1994. وهكذا لم تكتف إسرائيل بالسعي إلى التأثير في موقف الرؤساء وإداراتهم، وإنما توجهت إلى الكونغرس حيث تمتلك أدوات أقوى كما تفعل دائما منذ أن استوعبت درس حرب 1956 حين أرغمها إيزنهاور على الانسحاب من سيناء. وإذ يواصل العرب غيابهم عن الساحة السياسية الأميركية، يتحرك "اللوبي" المناصر لإسرائيل لتعبئة كل ما لديه من إمكانات. فإلى جانب وسائل التأثير المادي، وخصوصاً في العمليات الانتخابية، يعتمد هذا "اللوبي" على خطاب عقيدي ذي طابع ديني لخصه موشي ديان حين تطرق إلى قضية القدس في شهادته "الاختراق... تقييم شخصي لمفاوضات السلام بين مصر وإسرائيل". فقد تحدث عن مناقشاته، وغيره، مع الأميركيين الذين يرون ضرورة "إعادة تقسيم القدس" وكيف أنهم ينصتون بشدة عندما يقال لهم "إن رفضكم أن تكون القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل يعني أن تعيدوا كتابة التوراة وأن تلغوا جزءاً من عقيدتنا وصلواتنا ...". ولا غرابة في استخدام هذا النوع من الخطاب حين يتعلق الأمر بقضية مثل القدس، فيها من الرموز الدينية والروايات التراثية والحقائق والمزاعم التاريخية ما لا يوجد في أي نزاع آخر في عالم اليوم. لكن أصحاب هذا الخطاب يستغلون عدم إدراك كثير من الأميركيين، بل غالبيتهم الساحقة، تفاصيل هذه القضية وعدم معرفتهم أن مكوناتها الروحية المقدسة محصورة في البلدة القديمة المتناهية الصغر التي لا تتجاوز مساحتها الكيلومتر المربع إلا بقليل، وأنه لا علاقة لها بإصرار إسرائيل على ضم القدس الموسعة وامتداداتها في الضفة الغربية. لكن هذا ليس ذنب الأميركيين، وإنما العرب الذين أخفقوا في إدارة الصراع على القدس ولم يتمكنوا حتى من تعريف العالم بتفاصيل الصراع.