حرية الإعلام والصحافة، تحديداً، هي السلطة الرابعة في أي دولة في العالم، إذا مارست دورها بشكل صحيح، وكانت "ضمير الناس"، كما طالب صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، قبل أيام أن تكون صحافتنا المحلية. أحيانا سلطة الإعلام توازي غيرها من السلطات؛ مثل السلطة التشريعية، والسلطة القضائية، والسلطة التنفيذية، في سلم العمل الوطني، لما تلعبه من دور في ردع المتجاوزين أو في إيصال صوت الناس للمسؤولين في الدولة، أو حيث تساهم في كشف مخالفة أو فساد في المؤسسات، أو في سعيها لحل بعض المشكلات. ولا يمكن أن يختلف اثنان على أن الشفافية في التناول سبب رئيسي لتميز المجتمعات عن غيرها من ناحية معالجة القضايا الحساسة والمثيرة للرأي العام، وهي تحقق الكثير من النقاط الإيجابية للقرارات؛ كونها تفسح مجالاً للحصول على أكبر قدر من المناقشة وتسليط الضوء، وهي بذلك تكون "مرآة للمؤسسات" وليست معيقاً لها. والصحافة تمثل أرقاً وتعباً للمسؤولين غير المهتمين أو المتكاسلين، بل إن الشفافية عامل مهم بأن تكون الصحف متابَعة من قبل المسؤولين والناس، فكل واحد يبحث عما يريده. فإذا كان الجمهور يتابعها من أجل معرفة المعلومات، وأين وصلت المشاريع، فإن المسؤول يتابعها إما بحثاً عن ثغرات في مؤسسته من أجل إيجاد حلول لها، أو خوفاً من توجيه لوم له على تقصيره في قضية ما، وفي هذه الحالة تجد المسؤول يحاول أن يعرف ماذا كتبت الصحافة عن مؤسسته، ويدقق في الأعمدة اليومية، خاصة تلك التي يكون كتابها من قادة الرأي، لأن ثقة الجماهير بأقلامهم كبيرة في تصحيح الهفوات. والملاحظة التي تتردد لدى الرأي العام المحلي أن صحافتنا المحلية بدأت تتراجع مؤخراً عن استخدام مساحة أو سقف النقد المتاح، وابتعدت نسبياً عن دورها المهم في الكشف عن التجاوزات. وبالتالي أصبح ترديد الشائعات له دور أكبر من إظهار الحقائق، وامتد الأمر حتى أصبحت صحافتنا إعلاماً تبريرياً أو تفسيرياً، وهذا ليس من طبيعة العمل الصحافي. كنا، حتى فترة قريبة، نسمع عن ردود أفعال من قبل مؤسسات معينة، استجابة لما نشرته الصحافة تجاهها، أو تم تناوله في برنامج البث المباشر. وأحياناً يصل الأمر إلى أن تكون المشكلة قد نشرت في صفحة رأي الناس أو صفحة القراء، وكنا نجد تفاعل المسؤولين معها والرد على ما جاء فيها، إما بتوضيح المشكلة أو العمل على إيجاد حل لها، وأحياناً تقديم اقتراحات للحلول. وأعتقد أن هذا هو جوهر العمل الصحافي. أما اليوم فالملاحظ هو التراجع النسبي عن ذلك النهج، فقد أصبحت الصحافة المحلية تعمل في اتجاه واحد، والنتيجة أن المسؤول لم يعد يبالي بما تتطرق إليه الصحافة اليومية، ولم يعد يعنيه تحقيقا صحافيا أو حتى الحملات الإعلامية، وأصبحت "ظاهرة عامة" ومرضية للجميع. النقد البناء ليس سلبياً، كما يعتقد البعض، بل جزء منه إبراز الإيجابيات، لكنه الأبعد عن الشعارات والأقرب للواقع، وفي المقابل لابد أن يأخذ المسؤولون ما تتناوله الصحافة المحلية من نقد بحسن نية، وليس كما قال أحد المسؤولين تعليقاً على الانتقادات، "هذا ينتقد كل شيء" ويقصد صحافياً عُرف عنه النقد. الحرية الصحافية المسؤولة عامل مهم لعلاج السلبيات. وفي نظري، بإمكان صحافتنا المحلية أن تكون أفضل حالاً، على صعيد الحريات، مما هي عليه الآن عن طريق استغلال المناخ السياسي الذي يهيئه المسؤولون في الدولة.