من منا معشر الأدباء والكتاب والمثقفين، لم يقرأ قصص ألف ليلة وليلة في مراحل التكوين الأولى، ويستمتع بل ويفتتن بحكاياتها؟ مَن مِن المبدعين العرب والعالميين لم تثر حكايات ألف ليلة وليلة خياله وتصقل وجدانه وتهذب سلوكه؟! هذه الموسوعة الروائية المبدعة التي يقول عنها رئيس الهيئة العامة للثقافة بمصر، الدكتور أحمد مجاهد، بأنها "أكثر عمل أدبي أثّر في التراث العالمي كله في الغرب والشرق"، وقال عنها الكاتب الروائي يوسف القعيد، إنها "دُرّة الحكي والسرد العربي، بل وبذرة السرد الأولى في تاريخ البشرية"، أصبحت هذه الأيام في محنة، فهي معرضة للمصادرة في مصر! فقد تقدم مجموعة من المحامين يطلقون على أنفسهم رابطة "محامون بلا قيود" -وهي تسمية خادعة- ببلاغ إلى النائب العام يطالبونه فيه بالتحقيق مع المسؤولين عن سلسلة "الذخائر" التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة، بتهمة نشر مطبوعات خادشة للحياء! طالبوا في مذكرتهم بمصادرة "ألف ليلة وليلة" لأنها تحتوي -بحسب زعمهم- على كم هائل من العبارات الجنسية والدعوة إلى الفجور والفسق وإشاعة الفاحشة! وأيضاً ازدراء الأديان! ولأن المجموعة التي رفعت هذه الشكوى ترى نفسها وصية على الأخلاقيات العامة للشعب المصري، وقد نصبت نفسها حامية للفضائل وحارسة للقيم، فقد عللت شكواها بأن "بلادنا في السنوات الأخيرة، تمر بفترة عصيبة على أخلاقيات وثوابت الشعب المصري"، ولأن الفساد الأخلاقي لابد أن يكون مؤامرة استعمارية خارجية، فقد حرص مقدمو البلاغ على الاتكاء على مقولة "صموائيل زويمر"، رئيس أول حكومة تسلمت السلطة بالقدس الشريف عقب سقوط الخلافة العثمانية، ونصها: "مهمتنا ليست إدخال المسلمين في عقيدتنا، فإن هذا هداية لهم وتكريم، وإنما مهمتنا أن نخرج المسلم من إسلامه ليصبح مخلوقاً لا صلة له بالله وبالتالي لا صلة تربطه بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في نهضتها". أصحاب التعلق الهوسي بالتآمر الخارجي لم يتوقفوا ليتساءلوا: ما علاقة كتاب من التراث القديم تناقلته المجتمعات العربية على امتداد ألف عام بالتآمر الاستعماري؟! وهذه ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها ألف ليلة وليلة لطلب المصادرة، فقد قامت شرطة الآداب في مصر عام 1985 بمصادرة الكتاب من مكتبة "محمد علي صبيح" بدعوى أنها تحوي قصصاً وألفاظاً خادشة للحياء العام، وأصدرت محكمة الآداب في 1985/5/19 أحكاماً بالمصادرة، لكن محكمة الاستئناف في 1986/1/30 ألغت الحكم وقالت في حيثياتها كلاماً نفيساً: "وحاصل ما تقدم فإن الكتابين المضبوطين وحيثما استقر في وجدان المحكمة، لا يعتبران كتابين في الجنس كما لم يكتبا ولم يطبعا بغرض خدش الحياء العام وتداولاً بالسوق الذي لوحظ أنه متداول بها كتب عديدة للتراث الأدبي المطبوع بمعرفة هيئات ودور نشر مصرية وعربية وبعضها حكومية، ومنها على سبيل المثال: الفكاهة والاقتباس في مجموعة أبي نواس، لسان العرب، الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، نهاية الأرب في فنون الأدب، وغيرها كثير، وهي كتب تضمنت من عبارات الغزل الصريح ما يفوق كماً ونوعاً ما ورد في الكتابين المضبوطين، ألف ليلة وليلة وكتاب تسهيل المنافع في الطب والحكمة، وينبئ بذاته عن طرائق قدماء الأدباء في التأليف والنظم الأدبي". كما أشارت الحيثيات إلى معيار مهم في تقرير ما يعد خدشاً للحياء وما لا يعد كذلك في المنتج الثقافي، فقالت: "كما أن قيمة ذلك المؤلَّف تتحدد بالنظر إليه ككل متكامل وليس كعبارات منفصلة عن أصلها"، وهذا درس تعليمي مهم، يغيب عن كثير من هؤلاء الذين يركزون على عبارات معينة يستقطعونها عن السياق العام فيحاكموا بها العمل الأدبي، وهو منهج خاطئ يتكرر كثيراً. إلا أن المحكمة لم تكتف بذلك، بل أضافت ما يعد من روائع الكلم، فقالت: "وكتاب ألف ليلة وليلة، قد خلب عقول الأجيال في الشرق والغرب قروناً طوالاً، ونظر إليه الشرق والغرب على أنه متعة ولهو وتسلية، وهو بعد ذلك خليق بأن يكون موضوعاً صالحاً للبحث المنتج والدرس الخصب لكونه من قبيل الأدب الشعبي -يراجع تقديم الدكتور طه حسين لرسالة الدكتوراه عن الكتاب للدكتورة سهير القلماوي- ومثل فنون الشعوب الإسلامية وآدابها لا يؤخذ من جانبها اللاهي أو الماجن، ذلك أن هذا الجانب قد تمت موازنته بكم هائل من الأدب الشعبي في كتاب ألف ليلة وليلة". وختمت المحكمة حيثياتها بما يجعل الكتاب مصدر فخر للتراث العربي فقالت: "إن ألف ليلة وليلة كان مصدراً للعديد من الأعمال الفنية الرائعة، ومنه استقى كبار الأدباء في العالم عامة والعربي منه خاصة روائعهم الأدبية". وفنّدت المحكمة شبهة الإثارة الجنسية عن الكتاب فقالت: "الأمر الذي ينفي عن الكتاب مظنة الإثارة الجنسية لدى قرائه، إلا من كان منهم مريضاً تافهاً وهو ما لا يحسب له حساب عند تقييم تلك المطبوعات الأدبية، كما لم يثبت أنه كان وراءها ثمة إفساد للنشء". بعد هذا الحسم القضائي قبل 24 عاماً ينبغي إقفال الباب أمام كافة دعاوى مصادرة الكتب، كما ينبغي الإقلاع عن هذه العادة المتخلفة وتجاوزها، فمجرد التفكير بمصادرة كتاب لا يعجبنا، تفكير متخلف، ونحن في عصرٍ، الثورة المعرفية فيه ألغت كافة المحاذير والحواجز والموانع، لماذا لا نناقش الكتاب والمؤلف وندع الناس يحكمون؟ لماذا ننصب أنفسنا أوصياء على العقول والضمائر والأخلاقيات؟ لماذا العداء لألف ليلة وليلة؟ يقول الكاتب وائل لطفي: "الكتاب يصور انهيار الدولة المملوكية، الشرق القديم، وهو شرق صادم لخيال بعض السذج والفاشيين الجدد الذين يتخيلون أن الألف وأربعمائة عام الماضية من حياة المسلمين كانت بيضاء، من غير سوء، ولم يكن فيها سوى التدين على النمط الصحراوي". أما الكاتب يوسف القعيد وهو خير من خبر الكتاب، فيقول: "إن الليالي هي موسوعة الحضارة العربية كاملة، وكانت دليلاً لمن أراد معرفة كيف عاش العرب والمسلمون في العصور الوسطى". ولا أجد خيراً من شهادته حين قال: "هل يعرف المطالبون بالمصادرة، أنه ما من روائي عالمي بدءاً بالروسي تولستوي ومروراً بالألماني جوته وانتهاءً بالكولومبي ماركيز، إلا وقد اعترف علناً أنه لولا الليالي ما اهتدى للسرد أو الحكي".