نتائج الاستطلاع الذي نشرته صحيفة "الإمارات اليوم"، مؤخراً، كشفت بوضوح عن أحد أهم الأسباب التي تقف وراء تزايد ظاهرة العنف في المجتمع، ألا وهي متابعة أفلام العنف وبرامجها عبر التلفزيون، فقد أفاد الاستطلاع بأن "أكثر من نصف سكان الدولة يستمتعون بمتابعة أفلام العنف وبرامجها عبر التلفزيون، على الرغم من أن (63.1 في المئة) منهم حمّل تلك البرامج مسؤولية تزايد العنف الاجتماعي". وأشار كذلك إلى أن "الفئة العمرية بين 15 و24 عاماً هي الأكثر استمتاعاً بهذا النوع من البرامج، بنسبة (70.4 في المئة)، وأن نسبة كبيرة منهم تميل إلى تقليد أعمال العنف التي تشاهدها". هذا الجانب يمكن أن يقدّم تفسيراً لانتشار ظاهرة "العنف الاجتماعي" في الآونة الأخيرة، وبصفة خاصة عنف الأحداث والمراهقين، إذ تشير كثير من الدراسات إلى العلاقة الوثيقة بين بعض برامج التلفزيون وانتشار العنف في المجتمع، إذ إن رؤية المشاهد التي تتسم بالعنف في التلفزيون سواء في البرامج أو أفلام الكرتون أو أفلام الكبار أو الحوادث والحروب والكوارث الطبيعية، تزيد من درجة العدوانية لدى الأطفال والمراهقين وتسبّب لهم اضطرابات نفسية. ومن هنا فإن عرض الأفلام والبرامج، التي تشجع على ممارسة العنف بأشكاله المختلفة دون رقابة الأسرة، ينطوي على خطورة بالغة، لأنها قد تدفع المشاهدين وبصفة خاصة الأطفال والمراهقين إلى تقمّص دور مَنْ يقومون بالعنف. في ظل "عولمة الاتصال" و"تكنولوجيا المعلومات" أصبح تأثير برامج العنف في الجمهور المستهدف، خاصة الأطفال والمراهقين، أكثر من أي وقت مضى، سواء نتيجة لكثرة البدائل المتاحة من وسائل الإعلام والخيارات المتعددة أمام المشاهدين، أو نتيجة لعدم تقيد كثير من القنوات التلفزيونية أو المحطات الإخبارية بـ"ميثاق الشرف الإعلامي"، ما يجعلها لا تدقق كثيراً في محتوى ما تبثه من برامج ومضمونه، وهي في الأغلب تبث قيماً تحرّض على العنف بأشكاله المختلفة، وضد فئات المجتمع المختلفة. والأمر لا يتوقف عند هذا الحدّ بل إن هذه البرامج -كما أثبتت كثير من الدراسات- تلعب دوراً مهماً في تشكيل شخصية مشاهديها، وتقف وراء بعض الظواهر السلبية كتعاطي المخدرات والإدمان والجنوح نحو الجريمة بمظاهرها المتعددة. ومن هنا، فإن مراجعة مضمون البرامج ومحتواها، التي تعرضها قنوات التلفزيون قد تشكّل أمراً مهماً في الوقاية من العنف، وهذا يتطلب تبنّي خطة إعلامية مضادة تأخذ في اعتبارها أولاً منع إذاعة أو بث البرامج، التي تحث على العنف أو تتضمن مفاهيم ذات علاقة بالعنف أو تشجع عليه. وثانياً التركيز على البرامج والحملات الإعلامية التي تستهدف التوعية بمفهوم العنف، ومخاطره وآثاره على الأسرة والمجتمع بمعلومات حقيقية ودقيقة، بالشكل الذي يسهم في تنمية قدرات المشاهدين على التعامل الإيجابي مع البرامج المختلفة، واختيار ما يناسبهم منها. وثالثاً إشراك مؤسسات التنشئة الأخرى في هذه الخطة الإعلامية، وتحديد طبيعة الأدوار التي يمكن أن تقوم بها في هذا الشأن، فالأسرة يمكن أن تقوم بدور مهم في الرقابة على نوعية البرامج التي يشاهدها أبناؤها، ومؤسسات التعليم المختلفة يمكن أن تهتم بالجانب التربوي والسلوكي من خلال غرس منظومة القيم الإيجابية لدى الطلاب، بالشكل الذي ينمّي لديهم القدرة على التعامل مع البرامج التي تبثها وسائل الإعلام المختلفة، بالتفاعل مع شقها الإيجابي والابتعاد عن شقها السلبي أياً كان مضمونه. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية