يوم عيد ميلاد المسيح، حاول طالب هندسة نيجيري في الثالثة والعشرين من عمره تفجير طائرة متوجهة إلى ديترويت. وقبل أسبوع، حاول مواطن أميركي من أصل باكستاني تفجير سيارة مفخخة في ساحة "تايمز سكوير" في نيويورك. ولكن أيا من المحاولتين لم تنجح - ليس لأن السلطات الأميركية اعترضت المهاجمين، وإنما لأن مهارات الإرهابيين في صنع المتفجرات كانت ناقصة. والحقيقة المؤسفة أن مثل هذه الحالات تمثل نوعاً من الإرهاب يستحيل تقريباً منعه. والأكيد أن هذه المحاولات ستستمر. وبالتالي، فالسؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف سنرد عندما تنفجر تلك القنبلة؟ السبب الذي يجعل من الصعب وقف مثل هذه الهجمات يكمن في هوية المهاجمين؛ ذلك لأنهم في أحيان كثيرة يبدون أفراداً في المجتمع ناجحين أو متعلمين، وغير منخرطين في أي شكل من أشكال الراديكالية. ولكن جرعات البروباجندا الإرهابية – سواء على الإنترنت أو عبر الأصدقاء – تفعل فعلها؛ فيقومون بربط الاتصال بالمجموعات الراديكالية في الخارج في صمت، بل وقد يسافرون إلى الخارج للتدريب؛ ويرمون جانباً الحياة التي صنعوها في الغرب ويوافقون على شن هجوم. وينطبق هذا الوصف على فيصل شاه زاد، المشتبه في كونه الإرهابي، الذي يقف وراء عملية "تايمز سكوير"، مثلما ينطبق على آخرين في الولايات المتحدة وأوروبا. والواقع أن إيقاف هؤلاء الإرهابيين المكوَّنين حديثاً، هو الأكثر صعوبة بالنسبة لوكالات الاستخبارات والأجهزة الأمنية الأميركية، وذلك لأنهم قد لا يكونون جزءا من أي خلية معروفة، وليس ثمة سبب لمراقبة هواتفهم أو رسائلهم الإلكترونية. ثم إنهم عندما يشترون بنادق أو مسدسات أو غاز البروبان، فإنهم لا يأتون على فعل أي شيء غير عادي في المجتمع الأميركي. لكنهم إذا نجحوا في إلحاق الضرر بنا من خلال أعمالهم الإرهابية التي تروم الاستئثار باهتمام الجمهور ووسائل الإعلام، فإن نقاشنا السياسي قد ينحو مرة أخرى منحى خاطئاً مثلما هو متوقع؛ حيث سيزعم بعض المسؤولين المنتخَبين بأن حزبهم كان سينهض بمهمة حماية البلاد على نحو أفضل؛ وسيقوم منتقدو سياسة أميركا الشرق أوسطية – أو سياستنا في مجال الطاقة أو سياستنا الخارجية بشكل عام – بتحميل المسؤولية للإدارة التي توجد في البيت الأبيض. وفي حال كان بعض المهاجمين قد دُربوا في بلد أجنبي، سيدعو بعض الأميركيين إلى قصف أو غزو ذلك البلد (رغم أن تدخلاتنا العسكرية الكبيرة هي السبب الذي يجعل بعض الأشخاص يصبحون إرهابيين)؛ وسيدعو المعلقون الذين لا يعلقون قيمة كبيرة على الحريات المدنية إلى استهداف الملامح الإثنية للأفراد أو التنصت بدون إذن قضائي أو الاعتقال بدون محاكمة أو التخلي عن نظامنا القضائي؛ هذا في حين سيقول آخرون بضرورة إنفاق مزيد من أموال دافع الضرائب على المركب الصناعي الأمني الوطني. وفوق كل شيء، سيقول الكثيرون إن الهجوم "يثبت" أن جهود محاربة الإرهاب التي نقوم بها ضعيفة وغير فعالة. باختصار، سيستغل الانتهازيون الهجوم للدفع بأجندات سبقته بفترة طويلة؛ والحال أن بعض مقترحاتهم سبق أن جُربت وثبت قصورها، أو اكتُشف أنه لا صلة لها بالموضوع أو أنها تأتي بنتائج عكسية. ومع ذلك، سيتم نفض الغبار عن حجج ومقولات قديمة ليرى أصحابها ما إن كانت ستكتسب قوة وجاذبية بعد المذبحة. في مرحلة ما بعد هجوم ناجح، سيكون من الصعوبة بمكان أن يحوِّل رئيس أميركي النقاش في اتجاه أكثر إفادة ونزاهة. وتخيلوا هنا لو أن أوباما رد، بعد هجوم قاتل، باقتراح مزيد من سياسة التقرب ومد اليد للمسلمين في الداخل وعبر العالم، في محاولة لإضعاف الراديكالية، وهو بالضبط ما يتعين علينا وعلى دول أخرى القيام به في الحقيقة، ولكن اقتراحه هذا سيكون من دون شك محل الانتقادات وسيوصف بأنه رد فعل ضعيف وغير واقعي من قبل القائد الأعلى للقوات المسلحة، وبخاصة بعد هجوم كشف عن عيوب وقصور في استراتيجية محاربة الإرهاب. ولكن الآن، وبعد محاولة كادت تنجح، ثمة فرصة أفضل من أجل التكييف قبل فترة عاطفية مشحونة عندما تكون البلاد في حداد. ولئن كانت جرعة من الشجاعة السياسية مازالت مطلوبة، فإنه سيكون قد طرأ تحسن كبير على نقاشنا لو استطاع الزعماء الاتفاق حول بعض النقاط الأساسية بشأن جهودنا لمحاربة الإرهاب: أولاً، مهما كان أداء حكومتنا لمهمة حماية البلاد والحفاظ على أمنها جيداً، يجب أن نتوقع إمكانية نجاح هجوم إرهابي آخر يوما ما. على أنه إذا حدث ذلك، فيجب أن نحسن تكتيكاتنا وإجراءاتنا، لا أن نبالغ في رد الفعل. ثانياً، إننا نقدِّر جدية وتفاني الموظفين المدنيين والمسؤولين الذين يسهرون على حمايتنا داخل الوطن؛ وسنرفض السياسيين والمعلقين الذين يعمدون بشكل أوتوماتيكي إلى جعل مسؤولي محاربة الإرهاب كبش الفداء بعد أي هجوم. ثالثا، إنها حقيقة ثابتة لا يمكن نفيها كون جهود محاربة الإرهاب الأميركية قد قلصت حجم التهديد إلى مستوى أقل مما كان عليه قبل بضع سنوات. وبالتالي، علينا ألا نعتقد أن هجوماً ناجحاً يشير إلى أن جهودنا لمحاربة الإرهاب عموما قد فشلت، وإنما علينا أن نتشبث بالأشياء التي أثبتت نجاحها وفعاليتها وأن نرد بسرعة على تطور التهديدات. رابعاً، إن القضاء على التهديد الإرهابي الحالي سيستغرق عقوداً من الجهود الدؤوبة؛ وبالتالي، يجب أن نرفض الأشخاص الذين يطالبون بالنجاح بين عشية وضحاها. وإضافة إلى اعتقال وقتل الأشخاص الإرهابيين، علينا أن نهزم الإيديولوجيا الإسلامية الراديكالية في معركة الأفكار، وهو عمل يتطلب وقتاً طويلًا. خامساً، رغم استعدادنا لدفع ثمن باهظ لتخليص أنفسنا من الإرهاب، فإن تخصيص مزيد من المال للمشكلة أو التخلي عن حرياتنا المدنية ونمط حياتنا لن يقلص الخطر، مثلما أنه لن يُعجل باليوم الذي سيختفي فيه. سادساً وأخيراً، لا بد من التحذير من أن الأشخاص الذين يسعون لجني مكاسب سياسية من وراء مقتل أميركيين سيُنظر إليهم باحتقار - سواء كانوا الإرهابيين الذين ينفذون الهجمات أو السياسيين الذين يسعون لجني فوائد حزبية وسياسية من ورائها. ------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست"