يقظة ضابط سابق في الجيش الأميركي، هي التي جنبت الولايات المتحدة هجوماً كان سيتسبب في مذبحة في نيويورك، حيث تم ترك سيارة ملأى بالمتفجرات في أكثر الأمكنة اكتظاظاً بالمارة في ساحة "تايمز سكوير". وقد كان التحقيق سريعاً وتم إيقاف منفذ العملية، الذي ارتكب أخطاء عديدة وترك وراءه آثاراً كثيرة، حين كان على وشك العودة إلى باكستان؛ وهو أميركي من أصل باكستاني سرعان ما اعترف بذنبه. والواقع أن أفكاراً عديدة يمكن استخلاصها من هذا الحدث. وفي هذا الصدد، يمكن الوقوف عند السرعة والسهولة التي ميزت التحقيق، والتي تعكس بالتالي فعالية أجهزة الأمن الأميركية. هذا عن الجانب الذي يبعث على الاطمئنان؛ أما الأمر الأكثر إثارة للقلق، فهو السهولة التي يمكن بها تدبير هذا النوع من الهجمات. فعلى الرغم من أنها أُحبطت، فإن العملية تبرز مدى ضعف التدابير المضادة للإرهاب التي يتم اتخاذها في المطارات، حيث بات من الصعب بشكل متزايد، بل ومن المزعج، ركوب الطائرة بعد أن تضاعفت نقاط التفتيش الأمني، وازدادت طوابير الانتظار طولاً، وارتفعت الكلفة من حيث الوقت والإمكانات المادية. غير أنه عبثاً تتم مضاعفة عمليات التفتيش هذه، بما في ذلك داخل الطائرات، لأن المستوى صفر من الخطر لا يوجد، مثلما أظهر ذلك مؤخراً الهجومُ، المحبَط أيضاً، الذي كان يعتزم تنفيذه الشاب النيجيري عمر عبد المطلب، الذي استقل الطائرة في مدينة أمستردام الهولندية متوجهاً إلى مدينة ديترويت الأميركية مخفياً مواد متفجرة تحت ملابسه الداخلية. ولحسن الحظ ففي هذه الحالة أيضاً، فإن هفوات التلميذ الإرهابي وتصرفاته الخرقاء هي التي سمحت بتجنب الأسوأ. بيد أن ذلك لا يحل المشكلة بالنسبة لكل الأنواع الأخرى من وسائل النقل؛ ذلك أنه إذا كانت عمليات المراقبة والتفتيش قد تضاعفت في المطارات وقبل ركوب الطائرة، فإنها تكاد تكون منعدمة بالنسبة للقطارات والحافلات ومترو الأنفاق. والحال أن وضع حقيبة تحتوي على متفجرات، في هجوم انتحاري مثل ذلك الذي كان يعتزم تنفيذه الرجل الذي كان يريد ركوب الطائرة، يمكن أن يحصد أرواح عدد كبير جداً من الناس ويتسبب في صدمة نفسية قوية. إنه من المستحيل بالطبع مراقبة كل المركبات المصطفة في الشوارع، أو كل الممرات والدهاليز في مراكز التسوق والمحلات التجارية الكبرى، أو حتى الأفراد الذين يدخلون أحد الأماكن العامة؛ لكن يمكن أن نتساءل هنا بشأن المبالغة والمغالاة في عمليات التفتيش التي تتم في المطارات، وغياب المراقبة في وسائل النقل الأخرى أو الأماكن العامة. والحقيقة هي أنه سيكون من المستحيل نقل الإجراءات الأمنية التي تُتخذ في المطارات إلى الأماكن العامة الأخرى، اللهم إلا إذا كنا نريد تحويل الحياة الاجتماعية للمواطنين إلى جحيم. والحقيقة أيضاً هي أنه من السهل نسبياً إذن تنفيذ هجوم، على اعتبار أنه لا يمكن وضع شرطي وراء كل مواطن، ثم إن ذلك قد يقودنا إلى وضع حيث سيتوجب تخصيص شرطي لمراقبة هذا الشرطي الآخر، لأنه قد يرغب هو نفسه في تنفيذ هجوم. فكم من مرة، منذ اغتيال السادات حتى اغتيال أنديرا غاندي، تبين فيها أن الضباط المكلفين بالأمن هم الذين نفذوا هجمات. المفارقة تكمن في حقيقة مفادها أن "القاعدة" آخذة في الانحسار والتراجع، حيث باتت هذه المنظمة تفتقر بشكل متزايد إلى الموارد وتجد صعوبة أكبر في تجنيد عناصر جديدة؛ ومع ذلك، فإنه مازال في الوقت نفسه من السهل تنفيذ هجوم. وبالتالي، فحتى لا نمنح "القاعدة" وسائل وذرائع للتحرك، فإنه من الأهمية بمكان ألا تبالغ الولايات المتحدة في رد فعلها على هذا الحادث، وألا توسع نطاق تدخلاتها العسكرية، خاصة وأنه قد جرى التفكير خلال فترة قصيرة من الوقت في تنفيذ عملية عسكرية أميركية في اليمن؛ والحال أن ذلك كان سيؤدي إلى تنشيط "القاعدة" وتحفيزها. ثم لا بد من أن نتذكر في هذا الصدد أن هجمات الحادي عشر من سبتمبر كلفت الجهة التي تقف وراءها 100 ألف دولار، في حين كانت الولايات المتحدة وقتها تخصص 280 مليار دولار لنفقاتها العسكرية. وقد ارتفعت اليوم إلى 650 مليار دولار ، ولكنها مازالت تعيش مع شعور قوي، ومبرر ربما، بانعدام الأمن أمام خطر الإرهاب. غير أنه بدلاً من خوض نزاعات جديدة، يجدر بنا الانكباب على حل النزاعات الموجودة أصلاً، وفي مقدمتها النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني، علما بأنه ليس النزاع الوحيد الذي يجب إيجاد تسوية له. والواقع أنه لو أن عملية "تايمز سكوير" كتب لها النجاح، فمما لا شك فيه أن "المحافظين الجدد" كانوا سيقولون إن أوباما هو من يتحمل مسؤولية ذلك، على اعتبار أن الولايات المتحدة لم تتعرض لأي هجوم في عهد إدارة بوش بعد الحادي عشر من سبتمبر. ولكنه أمر يجانب الحقيقة لأن سياسة أوباما تحارب الإرهاب على نحو أكثر فعالية على المدى الطويل. ثم إنه لا وجود لشيء اسمه المستوى صفر من الخطر، وكل بلد يمكن أن يُستهدف.