الباحثون والمفكرون والفلاسفة يعملون في الغالب بصمت، لأنّ لديهم في أبحاثهم وأفكارهم وفلسفاتهم ما يشغلهم عن الصراعات والمجادلات، فإبداعهم يحتاج منهم لصفاء الذهن وحسن التفرّغ مع تطوير المهارة في اصطياد الجديد والمفيد، والقدرة المستمرّة على تجاوز السائد والمألوف. هكذا كان الجابري رحمه الله في كل أحواله، فهو باحث مجد شديد التميّز عظيم الابتكار، ومفكر يرصف أفكاره بمنهجية علمية تبهر قارئه، ثم هو كاتب حسن العرض والشرح فقد امتلك أسلوباً مختلفاً عن كثيرٍ ممن يكتبون في ذات المجال، فلديه قدرة على إيصال المعاني العميقة بأيسر سبيل وأسهل لغة، وتلك مزية لا يحظى بها الكثيرون. جمع الجابري بين استيعاب المنهجيات الحديثة في البحث وبين الاطلاع الواسع على التراث، وشعر بشيء من التحدّي مع الباحثين الغربيين والمستشرقين في تناول التراث العربي، فعقد عزمه وأسرج خيله وخاض المغمار، سلاحه العلم والمعرفة ورائده المنهجية والبحث عن الجديد، وقد حصل له ما أراد وأخذت جياده قصب السباق في دراسة التراث العربي والإسلامي، وتفوّق في قدرته على الوصول للقارئ والمثقف وإقناعه بالتساؤل والتغيير على كثيرٍ من مجايليه كأمثال حسن حنفي أو فهمي جدعان أو محمّد أركون أو من تبعهم كحامد نصر أبو زيد وغيرهم. انتقده وانتقد مشروعه الكثيرون من باحثين متخصصين ومفكرين معتبرين كما فعل أحسنهم وهو جورج طرابيشي وبحوثه المعمّقة التي لم يكن لينشط لها لولا تأثير الجابري الكبير، ولكاتب هذه السطور مع إقراره بفضل الجابري كثير من التحفّظات على كتب الجابري وأبحاثه، غير أنّ الإقرار بأحقيّته المعتبرة في البدء واجتراح مواطن غير مطروقةٍ بذات الأسلوب ونفس المنحى يبقى واجب الجميع من منتقديه ومبجّليه. شنّ بعض الأصوليّين في حياته حملةً شرسةً ضدّه شخصياً وضدّ مشروعه ومؤلفاته وآرائه، ولكنّه كان على الدوام كما هو لم يتغيّر، فهو معني بطروحاته وكتبه وأفكاره ورؤيته والسعي الدؤوب لإثباتها وتأييدها بالبراهين المقنعة والأدلة القاطعة، ولم يلتفت أبداً للردّ على معارضٍ كاشح، ولا على مخالف رافض ولا على منتقد لامع، كان معنياً بالإنتاج والبناء ولم يلتفت كثيراً للتعليق على المعارضين والمخالفين والمنتقدين، وربما اعتبر البعض هذا نقصاً واعتبره البعض كمالاً. وقد واصل بعض المتشدّدين الحملة عليه بعد وفاته من خلال منتديات الإنترنت الأصولية، فوصفوه بأبشع الأوصاف، ونالوا من شخصه وكتاباته بعبارات مقززة وكلمات نابية، سبقتها بعض الفتاوى من بعض الشيوخ المتشدّدين تحذّر منه ومن فكره وتتصيّد عليه الخطأ كيفما اتفق، والجامع بينهم هو إمّا التجريح العام والتحذير المجمل أو الفتوى الخاصة في مسألة معيّنة وقضية محددة مما تناوله من مسائل التراث، وهم يحسبون أنّهم يحسنونها أكثر منه، ولكنّ أحداً منهم لم يتجرأ على نقد مشروعه الكبير بشكل عام لا لشيء إلا لعجزهم عن فهم ذلك المشروع النقدي الكبير، وبالتالي حسرتهم الدائمة على عدم القدرة على التصدّي لهكذا مشروع محكم البناء واسع الرؤية بالغ التأثير. قدّم الجابري مشروعه الذي أسماه "نقد العقل العربي" في سلسلة من أربعة مجلّدات ضخمة، هي "تكوين العقل العربي" و"بنية العقل العربي" و"العقل السياسي العربي" وأخيراً "العقل الأخلاقي العربي"، وقد كان الجابري أكثر إبداعاً وتجلياً في مؤلفيه الأولين التكوين والبنية، وكان أقلّ من هذا في مؤلفيه الآخرين. ولئن نازعه منازعون من حيث المبدأ الذي اعتمده في تقسيم العقول، وأنّ ثمة عقلا عربيا وعقولا تنتمي لحضارات أخرى، وأوردوا أنّ العقل الإنساني في أصله واحد وإنما تختلف الثقافات لا العقول، فإنّه لم يعر مثل هذا النقد اهتماماً واستمرّ في مشروعه، ولئن ناقشه مناقشون في أنّ العقل العربي ليس واحداً بل هو متنوّع وفيه الكثير من الاختلافات، بل والتناقضات، فإنّه لم يشتغل بالإجابة أبداً، بل كان مشغولاً بإكمال مشاريعه. وحين ثارت المعركة بينه وبين فهمي جدعان وتنازعا أيّهما السابق للعرض الجديد في تناول فتنة خلق القرآن وموقف أحمد بن حنبل منها، والتي عبّر كل منهما عن رأيه فيها في كتابٍ مستقلٍ، لم يعلّق الجابري واكتفى بكتابه المنشور. حين اشتغل العديد من المثقفين العرب في نقده مشروعه في نقد العقل العربي السالف الذكر كان قد انتقل إلى مشروع آخر يتعلّق بالقرآن ابتدأها بكتابه "مدخلٌ إلى القرآن". في آخر لقاء لي بالجابري رحمه الله مع بعض الأصدقاء. سألته عن كتاب المفكر المغربي الكبير عبدالله العروي "السنّة والإصلاح" فكان جوابه عاماً، كما هي عادته غير أنّه حدثني أنّ العروي منذ نشأته خاضع للسلطة السياسية وتابع للملك، وذو ثقافة فرنسية فهو لم يقرأ المصادر الإسلامية الأصلية مباشرة، بل قرأها بواسطة المستشرقين، وأنه أي الجابري معارض سياسي طول عمره وناشط حزبي في الحزب الاشتراكي، وأنّه رفض الكثير من المناصب الرسميّة بسبب التزامه الحزبي، ورغبته الدائمة في أن يكون مستقلاً عن السلطة. ما لم يقله الجابري، هو أنّه وإن لم يخضع للسلطة السياسية كما قال عن العروي -رغم العروض المعروفة التي توالت عليه للانضمام لبعض المؤسسات السياسية الملكية في المغرب- فإنّه قد خضع لسلطة الحزب وسلطة الجماهير، وفي آخر حياته ربما خضع لشيء من سلطة من يسمّون بالإسلاميين، فتحوّل من باحثٍ مستقلٍ يريد أن يقول ما يريد إلى باحثٍ يقول ما يريد مع مراعاةٍ لبعض السلطات ومنها سلطة المحافظين. بعد قراءة الجابري بقيت فترةً أتساءل هل كتب الجابري هذه المؤلفات بجهده الشخصي فقط، أم أنّه استعان أحياناً ببعض طلاّبه لإيجاد شواهد تراثيةٍ لبعض أفكاره؟ وبقي تساؤل آخر هو أنّ الجابري في تقسيمه للعقل العربي إلى ثلاثة أقسام: العقل البياني والعقل العرفاني والعقل البرهاني قد خصص للعقل البياني 229صفحة، وللعرفاني 120 صفحة وللبرهاني 94 صفحة، والتساؤل هو لماذا كانت هذه الأحجام في التناول، هل هي حسب الانتشار أم حسب اعتبارٍ آخر؟ وربما كان الميل إلى أنّها بحسب الانتشار والتأثير وكثرة الأتباع والإنتاج. لن يموت بموت الجابري بشر كثير، ولكن سيحيى به وبما خلّفه من علمٍ ومعرفةٍ بشر كثير أعماهم التقليد وأسرهم الاتباع واستولى عليهم التكرار والحفظ والترداد، وسيكون للمنعتقين منهم من هذا الأسر العلمي والمعرفي في الجابري وإنتاجه منعتقٌ مما ألفوا وسلوةٌ فيما يستقدمون. يبقى الجابري سواءً اتفقنا أم اختلفنا معه باحثاً ومفكراً كبيراً في الثقافة العربية بشتى تجلّياتها، وإن لم يصل لعامة الناس، فقد وصل لكثيرٍ من القرّاء المتخصصين ومن دونهم، واستطاع إيصال أفكاره بوضوحٍ ونجح في التأثير على الكثيرين. فرحمه الله رحمةً واسعةً. مضى الجابري وبقيت في نفوس محبّيه آلامٌ لفراقه وسعدٌ بما أبقى وأرّث، ولا يحضرني في هذا المقام إلا قول الجواهري: لغز الحياة وحيرة الألباب/ أن يستحيل الفكر محض تراب