تعاني اليونان وأوروبا كلها مشكلة عويصة، متمثلة في ديون اليونان المتراكمة منذ سنوات، والتي تبلغ أكثر من 50 بليون يورو، وزاد من حدة المشكلة اكتشاف أوروبا أن اليونانيين كانوا يتلاعبون في أوراق ما قبل انضمامهم للاتحاد الأوروبي، حتى يكون وضعهم المالي متناسباً مع متطلبات الوحدة النقدية الأوروبية والعملة الموحدة. الغريب أن كل هذا الخضم من المناقشات والأخبار والتعليقات الأوروبية لم ترد فيها كلمة "مؤامرة" من جهة (ما) على أوروبا واقتصادها وعُملتها الموحدة، التي كان يراد منها أن تصبح العملة البديلة للدولار الأميركي. الكل وجه أصابع الاتهام إلى الاقتصاد اليوناني، وإلى هيكلية الموازنة لدى الإغريق، وإلى نقصان الشفافية المالية عندما اقترب موعد التحاق أثينا بعواصم أوروبا الأخرى المتحدة اقتصاديّاً قبل ذلك. كما تم جلد الذات الأوروبي وخاصةً فيما يتعلق بالهرولة غير المبررة لضم دولٍ ضعيفة اقتصاديّاً مثل اليونان والبرتغال إلى المنظومة الاقتصادية الأوروبية، التي تشمل دولاً ثقيلة اقتصاديّاً في أوروبا والعالم مثل ألمانيا وفرنسا. لم أسمع وأنا أتابع مجريات اجتماعات إيجاد حلول للعقدة اليونانية، لم أسمع كلمة مؤامرة أميركية أو صينية -مثلاً- لتدمير البناء الاقتصادي الأوروبي، ولم أقرأ أو أشاهد من يُقسم بأن جماعة -ما- أو منظمة معينة تسللت إلى داخل هذه الدولة الأوروبية أو للبنك المركزي الأوروبي لتقوم بهدم المعبد الاقتصادي على من فيه. وتصادف وأنا أتابع التراجيديا الاقتصادية اليونانية، أن عُرِضَ على إحدى القنوات الفضائية العربية، برنامج عن المنظمة السرية في إحدى الدول العربية إبان حقبة الستينيات من القرن الماضي، كانت تلك المنظمة السرية تُعرف باسم "التنظيم الطليعي"، وفي البرنامج الوثائقي بالغ الجودة اعترافات من أفراد نافذين في ذاك التنظيم حول وشايتهم وتسببهم بدخول المئات للسجون بحجة أن هناك مؤامرة على نظام الحكم في ذاك البلد العربي. الغريب أنه وبعد دخول المعارضين للسجون بحيث لم يبقَ معارض واحد إلا هاربٌ من بلاده أو قابع وراء القضبان، وعلى رغم انكشاف خيوط المؤامرة المزعومة، وبعد مضي ما يقارب أربع سنوات من فعالية التنظيم وعدم وجود "عملاء" حسب الاعتقاد المنتشر داخل التنظيم ومن يحمي التنظيم أو يحميه التنظيم، بعد مرور تلك السنوات وقعت هزيمة مدوية يدفع العالم العربي أثمانها حتى الآن. كانت المؤامرة الفعلية في داخل الأجهزة الحكومية المترهّلة، وجدت المؤامرة لغياب قيم العقاب والثواب، ووضع الإنسان المناسب في المكان المناسب، وانعدام ثقة البعض في البعض الآخر، كل ذلك كان من الأسباب الحقيقية للهزيمة المذلة وليست المؤامرة المزعومة التي خدرت بالفعل كل نشاط خلاق اقتصادي وسياسي وعسكري، الأمر الذي جعل التاريخ يكتب صفحات الهزيمة المرة، التي يصعب وقوعها لو أن المتآمر الفعلي، الذي كان عقلاً غير ناضج في غرفة ملوثة بالدسائس وعلى أوراق لم يكتب فيها قط إلا البلاغات الكيدية المهلكة، لم يوجد ولم يدبر أمور الأمة على الإطلاق. يقول علماء النفس: إن الإنسان عندما يعجز عن إيجاد الإجابات بنفسه أو حتى عبر غيره، لا يجد وقد فشل في إيجاد طرق علمية للكشف عن الحلول والإجابات إلا من يعلق عليه أخطاء واقعه وماضيه وحتى مستقبله، بالتوهم أن هناك من يتآمر عليه ويدفعه إلى المصيدة والفناء.. هكذا هو اعتقاد أصحاب فكر المؤامرة. هناك مؤامرة في العراق وفي لبنان وفي الصومال وفي السودان وفي اليمن وبين العرب والفرس، وبين العرب والأكراد، وبين المسلمين العرب وإخوانهم المسيحيين الذين يتكلمون بلغة الضاد، وهناك مؤامرة بين هذا المذهب الإسلامي وذاك، من يصنع خيوط كل هذا الترتيب الشيطاني؟ أعداء العرب والمسلمين، الذين اتحدت كلمتهم منذ أكثر من 1400 عام وحتى الآن! قليلون هم الذين أشاروا إلى أن مذابحنا واختلافاتنا، هي في الحقيقة من صُنع أيدينا وأفكارنا، وببساطة يستفيد من هذا الوضع المزري الآخرون مثلما يستفيد الأعداء في كل زمان ومكان من أخطاء الطرف المناجز الآخر. ألم يستفد العرب من اختلافات الأقباط والرومان أهل الدين الواحد عند فتحهم لمصر أيام (عمرو بن العاص) رضي الله عنه؟ ألم يستفد العرب من اختلافات الإسبان عندما فتحوا الأندلس؟ وبعيداً من أوروبا أنا لم أسمع ولم يسمع غيري كذلك أن المعنيين عندما وقعت الأزمة المالية الآسيوية في منتصف تسعينيات القرن الماضي تداولوا كلمة مؤامرة، أو أن هنالك من تآمر على النمور الآسيوية. كانت هناك أخطاء مالية قاتلة داخل البناء الاقتصادي الآسيوي، تم تصحيحها وعادت آسيا، سنغافورة وكوريا وماليزيا، إلى عنفوان نشاطها الصناعي والاقتصادي والخدماتي، حينما اغتسلت من أوراق السقطات الائتمانية والفساد في الإدارة، لتحقق هذه البلدان معجزات أخرى وتستمر إلى أن يشاء الله. عندما سقطت أبراج نيويورك، وأخذ الإعلام يتداول أسماءً عربية على أن أصحابها هم الانتحاريون المفترضون، عندها أخذنا نرسم صورة المؤامرة: اليهود بطريقة أو بأخرى (اقتادوا) الطائرات لتضرب الأبراج والبنتاغون، لتقتل الأميركان غير اليهود، الذين خرجوا قبل الحدث المشهور بساعة. ويستمر خيال المؤامرة كذلك ليرسم صورة ما بعد الحدث، ألا وهي التمهيد لغزو أفغانستان والعراق بعد ذلك بحجة الإرهاب، ثم وبعد أسابيع يظهر مخرج الفيلم المروع ليعترف بأن أبناء الإسلام قد نجحوا في تلك الغزوة، لتسقط فكرة المؤامرة إلى حين، ثم عادت مرة أخرى، ولم يخفف منها -ولا نقول يزيلها- إلا الانفجارات من صنع أبنائنا في داخل مجمعاتنا السكنية والفندقية والتجارية، لنبحث عن متآمر جديد.. وهكذا دواليك. تتبعت التاريخ الإسلامي والعربي فوجدت -للأسف- أن آباءنا وأجدادنا الأوائل من بلاد ما وراء النهر وحتى نواكشوط، يؤمنون إيماناً لا يتزعزع بأن حروب الفتنة وسقوط الأمويين والعباسيين والأيوبيين والفاطميين والمماليك والعثمانيين تمت بفعل فاعل، ترسخ هذا الاعتقاد مع أن مفكرين عظماء مثل ابن خلدون كانوا يصرخون في أممهم بأن للتاريخ ونهوض وانبهار الدول أسباباً موضوعية تسري على جميع الأمم، وأن فلسفة التاريخ تشابه فلسفة ابتداء ونهاية الكائن العضوي مع فارق الظروف والملابسات والتحولات. أنصتوا واقرؤوا وتابعوا ما يُعرض عليكم من الملهاة الاقتصادية والإغريقية اليومية، لكنكم ستضيعون كثيراً من الوقت إن أنتم بحثتم عن كلمة مؤامرة إغريقية جنوبية على أوروبا الشمالية الميسورة، احتمال واحد سيوجد هذا الافتراض: أن يكون المحلل السياسي المستمسك بهذا الرأي أحدهم.. من قبلنا!