بعد ثلاثة أشهر يكون قد انقضى عقدان على خطيئة الاحتلال العراقي للكويت وما كرسته وأحدثته من كرة نار ملتهبة غيرت التضاريس السياسية والأمنية والاستراتيجية وتوازن القوى في المنطقة، وما انجر عنها من احتقان واصطفاف وفواتير لا يزال أكثر من طرف يقوم بتسديدها، دون أن تقتصر تلك التداعيات على الكويت والعراق وحدهما، بل لقد امتدت مأساويتها عربيّاً لتكرس واقعاً جديداً ساهم في المزيد من التفتيت والتشرذم والتبعية العربية وغياب توازن القوى. مما أسس لعصر من الوهن والتراجع والتآكل العربي، وسمح لقوى كبرى من خارج إقليمنا ومن داخله بملء الفراغ الاستراتيجي والأمني في معادلة الأمن الخليجي والعربي. بعد كل تلك السنين لا تزال هناك قضايا للكويت عالقة مع العراق القديم الذي رحَّلها للعراق الجديد الذي يتشكل اليوم، منها ملف الشهداء والأسرى والحدود والتعويضات والديون والمناهج والتبعية. ولدى العراق أيضاً إشكالية مع الكويت حول دورها ومواقفها من التعويضات والديون والحدود التي نسمعها بين الحين والآخر ونقرؤها في المنتديات والمواقع الإلكترونية العراقية، ويذكِّر الكويتيين بها بين الحين والآخر بعض النواب والساسة العراقيين لتبقى بذلك الهواجس والقلق الكويتي حيّين، على حالهما. وعلى رغم سعي العديدين في الكويت والعراق للتعايش مع الواقع وطي صفحة الماضي الأليمة بتداعياتها الكارثية على البلدين الشقيقين وعلى الواقع العربي برمته، إلا أن ذكريات الماضي تعود مرة أخرى كأمواج البحر الهادر التي لا تتوقف حتى تعود حاملة معها جميع مآسي وأوجاع الماضي بكل آلامه وأحزانه وما فيه من قتلى ومفقودين وأسرى. ومع تجاذبات تشكيل الحكومة العراقية وتحالف "دولة القانون" و"الائتلاف العراقي" مما يُقصي شريحة كبيرة ويهدد بإعادة العراق إلى أتون عدم الاستقرار، في هذا الوقت تقاطعت أربعة أحداث خلال الأسبوع الماضي، أحيت الهواجس عند الطرفين وخاصة عند الكويتيين، من احتجاز أول طائرة تابعة للخطوط الجوية العراقية حطت في لندن لأول مرة بعد توقف دام قرابة العشرين عاماً، بسبب الدعوى المرفوعة من الخطوط الجوية الكويتية لمطالبة العراق بمليار و200 مليون دولار حسب حكم قضائي بسبب استيلاء الحكومة العراقية على عشر طائرات كويتية ونهب معدات مطار الكويت إبان الاحتلال، واستخدامها من قبل الخطوط العراقية. وكان الرد إدانة للإجراء ووصف له بـ"الاستفزازي" ومطالبة للدول العربية بالضغط على الكويت لإقناعها بفتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين. والتطور الثاني متصل بالأول حين بادر النائب العراقي عزت الشاهبندر بالتهجم على الكويت والكويتيين في تعدٍّ غير مبرر شاتماً الكويتيين، قائلاً إن تعويضات الغزو العراقي "التي استلمتها الكويت حتى الآن بمثابة سُحت في بطونهم. وبأن الكويتيين بحاجة إلى صدام حسين ثان حتى يؤدبهم مرة أخرى"! في تحدٍّ واستفزاز يعيدان الهواجس والمخاوف لهذا الجرح المفتوح. والتطور الثالث هو تصريح وزير النفط العراقي حسين الشهرستاني بحرقة عن الحاجة لطي صفحة التعويضات للكويت وإعادة النظر فيها لأن "العراق سدد مبالغ هائلة للكويت عن خسائرها، ولا نعرف دولة سددت مثل هذه المبالغ. لذا نقول إن مجموع المبالغ التي دفعتها ألمانيا لفرنسا وبريطانيا أقل مما دفعه العراق للكويت حتى الآن". وأنه لا يمكن للعراق أن يستمر في هذه القرارات الجائرة بحقه من قبل مجلس الأمن، حسب تعبيره. ومن المعلوم أن العراق يسدد حسب قرارات مجلس الأمن 5 في المئة من عوائده النفطية لصندوق التعويضات الدولي لقاء الأضرار التي أحدثها خلال غزوه للكويت. وتطالب بغداد بتخفيض هذه النسبة إلى 2.5 في المئة. وقد سدد الصندوق للكويت حتى اليوم حوالي 17.62 مليار دولار كتعويضات لأشخاص وشركات ومنظمات وحكومات ويبقى على العراق تسديد 24 مليار دولار للكويت من مجمل 41.8 مليار دولار أقرتها الأمم المتحدة. وكان مسؤولون كويتيون قد أعلنوا استعداد الكويت لاستثمار أموال بالمليارات في العراق. والتطور الرابع الذي أعاد ذكرى الاحتلال كان في الأسبوع الماضي وتمثل في إعلان وزارة الداخلية الكويتية عن اكتشاف مقبرة جماعية تضم رفات 55 جنديّاً عراقيّاً شمال الكويت. ويُعتقد أن هؤلاء الجنود قتلوا في العمليات العسكرية التي أدت لتحرير دولة الكويت من الاحتلال العراقي مطلع عام 1991. وتبقى الثوابت الكويتية تجاه العراق واضحة وهي أن "عراقاً آمناً ومستقراً هو ضمانة لأمن واستقرار الكويت والمنطقة". وكان معبراً ما ذكره نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الكويتي الدكتور محمد الصباح حين عبر عن أمله: "أن تنتج الانتخابات الفكر المنفتح في العراق الجديد المسالم الملتزم بالقانون الدولي والشرعية الدولية، وأن يكون جزءاً أساسياً من منظومة الأمن الإقليمي العربي.. وأن يخرج العراق أقوى مما هو عليه". إن هناك حاجة لمواجهة جادة لتأسيس علاقة طبيعية بين الطرفين لا تغرق في متاهات الماضي الذي يكبلها ويمنعها من أن تنطلق نحو مستقبل التنمية والشراكة الواعد. إن العراق مطالب بانتهاج سياسة لبناء الثقة وطمأنة الكويتيين إلى نوايا النظام العراقي الجديد. وكذلك الكويت عليها طمأنة العراق والمساهمة في تنميته والاستثمار فيه في شراكة استراتيجية مثمرة للجميع. وهكذا يعمل الطرفان على بناء الثقة التي يؤمل مع الزمن أن تساعد على اندمال الجراح الغائرة!