في ستينيات القرن الماضي، كان الأميركيون منقسمين على أنفسهم بشأن قضايا الحرب والعرق. فبينما قاد القس مارتن لوثر كنج الابن وغيره من القادة الدينيين المنضوين في مؤتمر القادة المسيحيين الجنوبيين، المظاهرات وأعمال العصيان المدني للمطالبة بالحقوق المدنية، تصدى لهم مبشرون بيض في الجنوب، محذرين من عواقب عصيان إرادة الرب، بسبب تجاهل العقوبة الأبدية التي فرضها على "أبناء العم حام". وفي حين سافر كاردينال مدينة نيويورك، "فرانسيس سبيلمان"، إلى فيتنام لمباركة الجهود الحربية التي تبذلها القوات الأميركية ضد "الشيوعية الملحدة"، قاد زميله اليسوعي القس دانيل بيرجان، مجموعة كبيرة من الرجال والنساء في مواكب شعبية حاشدة لشجب الحرب والتنديد بها، وكثيراً ما انتهى الحال بالمشاركين في هذه المواكب إلى الاعتقال والسجن. وخلال تلك الفترة لم أسمع ولو لمرة واحدة من وصف المسيحية بأنها ديانة عدوانية حربية أو أنها عنصرية. كما لا أذكر مرة واحدة تمت فيها الإشارة إلى مارتن لوثر كنج أو بيرجان على أنهما "متظاهران مسيحيان". ولم يحدث لأميركا حينها أن غرقت في حوار لاهوتي عام كان هدفه تحديد أي تفسير للمسيحية هو الأصح من غيره. بل على العكس، كانت تتم الإشارة إلى أولئك الأفراد وفقاً لأفعالهم ومواقفهم الفردية. وعادة ما وصفوا بأنهم إما "انفصاليون" أو "قادة حقوق مدنية"، أو "مؤيدون للحرب" أو "نشطاء سلام". وما كان يمكن فهمه ضمناً هو أن استخدام فرد أو مؤسسة ما للغة الدين في وصف سلوكيات بعينها، لا يعطي صفة دينية لذلك السلوك. كما أن ذلك الاستخدام لا يحدد وحده الديانة التي ينتمي إليها صاحب ذلك السلوك. وهذا ما لا يزال الكثيرون في الغرب يفهمونه إلى اليوم، على الأقل حين يتعلق الأمر بالديانة المسيحية. ورغم أن الرئيس السابق بوش، كان قد وصف في بعض خطاباته غزو العراق بأنه حرب بأمر الرب، فإن ذلك الوصف لم يدفعنا مطلقاً إلى وصفها كـ"حرب مسيحية". لكن حوارنا حول الإسلام يختلف عن هذا الفهم كثيراً جداً. فلأسباب أعمق وأبعد من مساحة هذا المقال المقتضب، يلاحظ أن القادة السياسيين والمعلقين والكتاب الصحفيين، وعامة الناس هنا في الغرب، يميلون إلى استخدام لغة دينية في وصف جميع أنواع السلوكيات -خيّرها ورديئها على حد سواء- بأنها "مسلمة" في تعاملهم مع الإسلام. وبذلك فنحن نشوش على أنفسنا والآخرين في ذات الوقت، ما ينجم عنه من سياسات غير متسقة وغريبة الأطوار أحياناً. فمثلا، عادة ما نشير إلى الأفراد والجماعات المتطرفة التي تستخدم لغة دينية في تبرير العنف التي ترتكبه، بصفة "إرهابيين مسلمين". ولما كنا ندرك أن هؤلاء لا يمثلون سوى شريحة محدودة من المسلمين، فغالباً ما نتمسك بأنهم لا يمثلون الإسلام في شيء. وهكذا نجد أنفسنا قد مضينا في الطريق الأصعب والأشد تعقيداً في محاولة تحديد النسخة الصالحة من الإسلام، وأيها رديء وسيئ؟ وهذا تفسير للمعتقد الديني لا نجد نظيراً له في الديانة المسيحية. وفي مثال آخر، نشر زميل لي كتاباً للتو، فند فيه خير تفنيد مفهوم "الإرهابيين المسلمين" وقضى عليه تماماً. لكنه فاجأني بحديثه في الكتاب نفسه عما وصفه بـ"النفط الإسلامي" في إشارة إلى واردات النفط القادمة إلينا من دول الخليج العربي وآسيا الوسطى وبعض الدول الإفريقية. وردي على هذا المصطلح هو: هل يمكننا وصف المنتج في الولايات المتحدة أو كندا على أنه "نفط مسيحي" أو "علماني ديمقراطي"؟ وهل يجوز لنا وصف النفط المنتج في فنزويلا على أنه "نفط بوليفاري" أم خلافه؟ وأخيراً: استضاف البيت الأبيض مؤخراً قمة لأصحاب العمل المسلمين، وصفت بأنها تركز على أصحاب العمل المنتمين إلى دول الأغلبيات المسلمة والمجتمعات المسلمة في أنحاء العالم. وإلى جانب الرسالة المزعجة التي ربما تبعث بها هذه الأوصاف لأصحاب الأعمال غير المسلمين في العالم العربي ودول أخرى مثل إندونيسيا وغيرها، إضافة إلى ما يمكن أن تثيره رسالة كهذه من توترات طائفية قائمة أصلاً، فإن علينا أن نتساءل بقدر أكبر من الدقة والتحديد عما تعنيه صفة "صاحب العمل المسلم"؟ وهل يمكننا بالمقابل التساؤل عما يمكن أن يعنيه حديثنا عن "صاحب العمل المسيحي" أو "الهندوسي"؟ فالذي نفهمه في نهاية الأمر أن هناك إرهابيين ونفطاً ومستثمرين، بصرف النظر عن معتقدهم الديني. ويستحسن أن نشير إلى هؤلاء بناءً على ما يفعلونه كأفراد وجماعات، وليس اعتماداً على انتمائهم الديني. أما في إصرار الحكومة أو نحن على تعريف هؤلاء بالإشارة إلى معتقداتهم أو اعتماداً على وصفهم هم لأنفسهم أو أفعالهم، فليس سوى الطيش وعدم رجاحة الحكم. كما أنه في مثل هذا السلوك ما يعرض حكومات الدول الغربية لخطر الخوض في مياه عكرة يصعب فيها التمييز بين أي نسخة للإسلام هي المقبولة، وأيها مرفوض.. بكل ما ينطوي عليه تمييز كهذا من تمييز سياسي بين الأفراد والجماعات، وهو ليس من شأن الحكومات ولا طاقة لها به أصلاً، نظراً لخطورته.