سُئل الأديب العالمي جابرييل جارسيا ماركيز، عن الكتب التي ساهمت في إثراء إبداعاته! فأجاب بأن كتاب "ألف ليلة وليلة" الذي تُرجم إلى عدة لغات في العالم، كان من أهم الكتب التي تأثر بها في مستهل حياته وأخصبت خياله. كثير من المبدعين يدينون بالفضل لهذا الكتاب الذي يُعتبر من أهم كتب التراث العربي. وقد قرأت "ألف ليلة وليلة" في بداية سنوات مراهقتي. وعشتُ مع عوالمه الخيالية التي تعبق بسحر شهرزاد. هذه المرأة الجميلة التي نجحت بكيدها الأنثوي في إنقاذ رقبتها من بطش شهريار، مُعتبرة من وجهة نظري أن كافة نساء الأرض يُدنَّ بالفضل لها في تعليمهن مهارة التحاور مع رفيقها الرجل. في مصر تُدار حالياً معركة بطلها كتاب ألف ليلة وليلة، وقد بدأت القصة حين تقدّم عدد من المحامين ببلاغ إلى النائب العام يُطالبون فيه مصادرة هذا الكتاب، بعد إعلان هيئة قصور الثقافة المصرية عن نيتها إعادة طباعته من جديد. الحجة التي تمسّك بها المعارضون، أن الكتاب سيئ السمعة، يحتوي على ألفاظ بذيئة تخدش الحياء العام. هذا التصرّف المتعنّت يُوجه رسالة مبطنة، بأن على كافة وزارات الثقافة بعالمنا العربي، القيام بمصادرة من على شاكلة ألف ليلة وليلة من كتب التراث العربي الإسلامي مثل كتاب "طوق الحمامة" لابن حزم الأندلسي، وكتاب "الأغاني" للأصفهاني وغيرهما، حيث شهدت عصور الإسلام الزاهية انفتاحاً فكرياً، وحرية واسعة في الطرح والتعبير لم نشهدها في عصرنا الحالي! من المعروف أن عميد الأدب العربي الدكتور "طه حسين" قد أشرف على رسالة الدكتوراه التي قدّمتها تلميذته "سهير القلماوي" في كتاب "ألف ليلة وليلة"، ولو لم يكن هذا المفكر العظيم يثق أدبيّاً بقامة هذا الكتاب لما قبل أصلًا الإشراف على أطروحة الدكتوراه. هل من حق أيٍ كان مصادرة تراثنا الأدبي بحجة المحافظة على فكر الأجيال الصاعدة من الوقوع في بؤر الانحلال الأخلاقي؟! هل من حق أحد التطاول على موروثنا الفكري، بالعبث بمحتواه وشطب ما يراه غير ملائم لطبيعة زمننا، بحجة حماية النشء الجديد من الوقوع في براثن الرذيلة؟! إذا كان هذا منطق المناوئين لإعادة نشر كتب التراث، ما رأيهم فيما تعرضه القنوات الفضائيّة يوميّاً من "فيديو كليبات" وما تتخللها من مشاهد عري فاضحة؟! أليس ما يقوم به هؤلاء الفنانون المحسوبون على الفن فيه خدش لحياء المشاهدين، وإثارة لغرائز الشباب مع سبق الإصرار والترصّد؟! عيب ومُخجل حقيقة ما يجري، إنه يعني تخلّفا وعودة إلى عصور الظلام! وما يحدث يؤكد على أن هناك فئات في مجتمعاتنا العربية صارت تدعو بقوة إلى التبرؤ من تاريخنا، وإلى رمي تراثنا في عرض البحر دون أن تأخذنا به رأفة أو شفقة، تماماً كما فعل المغول والتتار بنا حين غزو أرضنا وقاموا بقذف درر فكرنا في مياه دجلة والفرات دون أن تهتزَّ جفونهم. إن موروثنا الفكري هو جزء من هويتنا، ومن يتنكّر لماضيه لا يمكن أن يحترم حاضره، ولا يستطيع النظر بوعي إلى مستقبله، وستُصبح مجتمعاتنا تعيش بذاكرة مثقوبة! لنكن رحماء بتاريخنا، ونتصدّى بشراسة لكل من يسعى لطمسه. وأن نحمي مجتمعاتنا من الانجراف خلف مطالب أفراد يحملون أفكارا متطرفة! أمّة بلا ذاكرة هي أمّة معصوبة العينين ستقود نفسها نحو هاوية الانعزال، أمّة متحجرة العقل لا تستطيع تربية أجيال أسوياء! Summary محمود