من الأقوال المتفائلة التي نرددها لتشجيع النفس "اشتدي يا أزمة... تنفرجي"! فهل ينطبق هذا "الميكانزم" على الواقع العربي؟ ونزعم كذلك، في بحر إحباطنا وتخبطنا "أن واقعنا لا يمكن أن يزداد تدهوراً عن هذا"... وتمر فترة نردد بعدها مع الشاعر المسكين: رب يوم بكيتُ منه فلما صرتُ في غيره، بكيت عليه! نشرت إحدى الصحف المحلية في الكويت تقريراً أعده معهد World Policy Institute عن العالم العربي، ما فيه وما يعاني منه، وما له وما عليه! أحاطت الصحيفة (النهار 2009/8/22) التقرير بمجموعة من العناوين والمانشيتات التي لخصت آلاف الكلمات، ثم وصفت هذا العالم العربي بأنه، باختصار ومع كل الرغبة في ضبط النفس ودقة الوصف، مجرد "سرمديات أمنِيّة على أعمدة فشل اجتماعي"! ركود سياسي مزمن في الجمهوريات العتيقة، وصراخ غير مجد للمجتمع المدني. سياسياً تأكدت "أبدية" الأنظمة الرافضة لمبدأ المحاسبة والمشاركة وأسبقية أمنها على ما عداه. أعباء المعيشة تزداد مع ارتفاع معدلات البطالة، وتراجع التعليم وتردي الخدمات الصحية. الجامعات تغص بالطلبة وعشرات الآلاف من خريجيها، أخذوا يواجهون صدمة الواقع. العديد من الدول العربية غير النفطية عاجزة عن إدارة ثرواتها الاقتصادية الهزيلة أصلاً. الأحزاب العلمانية بقيت باهتة وعديمة القدرة منذ بداية السبعينيات وعلى مدى ثلاثة عقود...إلخ. ورغم ظهور بعض التحركات الوطنية، قال التقرير، إلا أنها "بقيت غير فاعلة نظراً لافتقارها إلى التنظيم وتحديد الأهداف. وفي الواقع، من الملحوظ أن هذه التحركات الخجولة للمطالبة بالإصلاح والديمقراطية في العالم العربي، لم تحدث غالباً نتيجة لفعالية قيادات التنظيمات السياسية والنقابية، بقدر ما جاءت نتيجة للاستياء الشعبي". لم تكن الأنظمة العربية في المراحل السابقة ضحية هواجسها الأمنية إلى هذا الحد، فالنظام الذي أقامه عبدالناصر في مصر مثلاً، يقول التقرير، "لم يعط هامشاً كبيراً للحرية السياسية للناس، لكنه كفل الأمن لهم على الأقل وشيئاً من التقدم الاجتماعي والاقتصادي. فقد نهض نظام عبدالناصر بالتعليم والخدمات الصحية، ودَعَم التوظيف في قطاع الصناعات الحكومية والخدمات المدنية، إلا أن سوء الوضع الاقتصادي الذي يرتكز عليه هذا النهج الذي شكل جانباً إيجابياً للعقد الاجتماعي، لم يسمح له بالازدهار. وترافق ذلك مع جانب سلبي تمثل في التضييق على الحريات والديمقراطية". غير أن الجامعات خسرت في الواقع السباق مع تزايد السكان واشتداد الحاجة إلى توفير مجالات العمل على نطاق واسع، وهذه بدورها كانت بحاجة إلى توسعة الأسواق وتحرر الاستثمار وعدم الاعتماد على الجامعات وحدها لتوفير الفرص. وقد أدى التراكم والإهمال والجمود إلى "تفشي العشوائية في حياة هؤلاء الخريجين المتزايدة أعدادهم كل يوم، وبات مشهداً طبيعياً في دول عربية كثيرة أن تجد محامياً أو موظفاً في الصباح، مضطرا للعمل حلاقاً في المساء، أو أية مهنة أخرى متاحة قد لا تليق به. في مقابل ذلك بقيت الخدمات الصحية متوافرة لكنها فقدت معناها حيال الأعداد الهائلة من المراجعين والمرضى". ودخلت دول مجلس التعاون البترولية في سباق مع الزمن للانتقال بمجتمعاتها إلى مصاف الدول المتطورة، وأنفقت مبالغ هائلة لجلب مظاهر العمران من أنحاء العالم، معتمدة في ذلك على العمالة الآسيوية، ولكن التطورات اللاحقة أظهرت بوضوح مشاكل ومخاطر هذا النهج. في الوقت الراهن، يقول التقرير عن دول الخليج، "تتزايد التحديات أمام هذه الدول للحفاظ على وتيرة متصاعدة من التطور الاقتصادي حتى مع ارتفاع أسعار النفط، فقد بدأت تشعر بوطأة الواقع مع السعي لتأمين فرص عمل كافية لأبنائها، ولا سيما أن معدلات الولادة مرتفعة فيها، بل هي إحدى أعلى المعدلات في العالم. وفي كثير من الأحيان تعجز أماكن العمل المدنية الحكومية عن استيعاب هذه الأعداد من الشباب، بينما يبدي أغلبيتهم عزوفاً عن العمل في القطاع الخاص رغم كل ما يشهده من نشاط، ورغم تفاوت النسب المئوية للعاملين في القطاع الخاص، إذ تقدر بنحو 2 في المئة في الكويت، وقد تصل إلى 30 في المئة في السعودية". وتطالب إحصائيات البنك الدولي، العالم العربي بضرورة تأمين مئة مليون فرصة عمل خلال السنوات العشر القادمة، بينما تعاني دوله من استمرار الركود وضعف الأجور، إلى جانب تدهور البنية التحتية وعدم مواكبة زيادة السكان، بينما يشكل شح الماء مشكلة متفاقمة. وحتى في دولة كالجزائر "تكاد المياه تنعدم في منازل كثير من المواطنين". ولكن ماذا عن قوى الإنقاذ وأحزاب وتيارات المعارضة والإصلاح؟ في الأردن، لاحظ معدو التقرير، "أن أكثر الأحزاب تحابي القبلية والعائلية، بينما كل التنظيمات الليبرالية تحرص على جعل مكاتبها في المواقع التجارية ولا تسعى لكسب جمهور المنتخبين في المناطق الفقيرة". وعن الأحزاب الليبرالية يلاحظ التقرير، عدم تحقيقها مكانة شعبية مرموقة إلا في فترات قصيرة وظروف استثنائية وبسبب اهتمامها بالقضايا الوطنية والتحررية، "وليس حين تتحدث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان أمام جمهور يلهث أكثر وراء لقمة العيش". فقد وصل حزب الوفد إلى السلطة قبل عبدالناصر، وحظي بشعبية واسعة بسبب رصيده الوطني والنضالي ضد الاستعمار البريطاني، ولكنه لم يحقق نتائج جيدة حين خاض الانتخابات في ثمانينات القرن العشرين. "وفي هذه الأيام نجد أن الأحزاب الليبرالية في كل المنطقة العربية تعج بالمفكرين الذين تعودوا على كتابة الأعمدة في الصحف أكثر من مخاطبة الجماهير في الأحياء الفقيرة والقرى". وتتسبب التطورات الاقتصادية الراهنة في اضطرابات فكرية وسياسية واسعة في صفوف المعارضة. ونعود إلى التقرير، فنراه يتحدث عن الأحزاب "اليسارية" في مصر وتأثير الخصخصة عليها وعلى الطبقة العاملة معاً. فـ"ما أن بدأت الحكومة المصرية بخصخصة أو بتضييق دائرة نشاط الصناعات غير المنتجة في التسعينيات، حتى شعر المثقفون الذين تربوا على إرث عبدالناصر أنهم لا يعرفون الطريق إلى بناء منظماتهم اليسارية من جديد، فأخذوا يراوحون مكانهم". ومن النقاط المهمة في هذا التقرير إشارته كما ذكرنا، إلى اتساع نشاط الجماعات أو الأحزاب الإسلامية وشبكة جمعياتها "الخيرية". أما التنظيمات "الجهادية" العنيفة، والتي لا تعترف بشرعية الدول "فليست مهتمة بالنضال السياسي المشروع، فهي متطرفة، ولكنها صغيرة وربما كانت أكثر خطراً على المجتمع المدني من خطرها على أمن الأنظمة. في المقابل، بقيت الأحزاب العلمانية في عدد من الدول باهتة وعديمة القدرة منذ بداية السبعينيات وعلى مدى ثلاثة عقود". ويتساءل أستاذ الفلسفة د. عبدالله الجسمي عن مصير المعارضة في الكويت مقارنة بفكرها ومستواها في العقود التي تلت الاستقلال عام 1960. ويقول إن أول ما يميز أي معارضة سياسية برلمانية، "هو انطلاقها من أسس فكرية معينة، تضع من خلالها تصوراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وما تتضمنه من القيم التي تناقض سياسياً الأسس التي تنطلق منها الحكومة". أما المعارضة الكويتية اليوم، يقول، فأول ما يلاحظ عليها "غياب أية توجهات فكرية.. بل يكرس العديد ممن يطلق عليهم المعارضة، مظاهر القبلية والطائفية، ويعمل بعضهم على تغذيتها وتكريسها كأمر واقع في المجتمع، كونها المطية التي يركبها للوصول إلى كرسي النيابة". بل يضيف د. الجسمي أن هذه المعارضة في بعض الأحيان، "تقف ضد تطبيق القانون، خصوصاً في التعديات على أملاك الدولة لتنفيع ناخبيه أو المقربين منه. كما لا توجد مبدئية في ممارسة الرقابة، فإذا كان الوزير ينتمي لطائفة العضو أو قبيلته، يُغضّ النظر عن ممارساته". النقد الموجه للمعارضة في العالم العربي والعالم الثالث في أوساط الكتاب والباحثين لا يقل عن ذاك الموجه لـ"الأنظمة". ولهذا قد يكون من المشروع القول أحياناً، "ليس هناك أسوأ من حكومات العالم الثالث سوى.. معارضتها"! قلنا أحياناً!