من بعد تراجع نفوذهم في نيبال على إثر "الإنجاز" الوحيد الذي حققوه، والمتمثل في الإطاحة بالملكية وإعلان الجمهورية، لم يعد للماويين معقل ينشطون فيه ويمارسون هواية التخريب وإطلاق الشعارات الخاوية، التي لم تعد مهضومة حتى في بلاد المعلم "ماو" نفسه، إلا في دولتين هما الهند والفلبين. في الهند، ظهر التمرد "الماوي" على السطح لأول مرة في الستينيات انطلاقاً من قرية "ماكسالباري" بولاية "البنغال الغربية"، قبل أن ينتشر وتدعي السلطات أنها تمكنت منه، لكن ليعود وينهض مجدداً في مناطق هندية متفرقة في الثمانينيات. صحيح أنه بمرور الزمن تضاءلت قوة "الماويين" الهنود، لكن الصحيح أيضاً أنه لم يتوفر قط دليل على هزيمتهم، بل يمكن القول إن أخطارهم أخذت في السنوات الأخيرة تتزايد. فطبقاً للإحصائيات الرسمية، تأثرت 55 ناحية في 9 ولايات من ولايات الهند الثماني والعشرين بالأنشطة الماوية في عام 2003 ، لكن في عام 2009 تأثرت 223 ناحية في 20 ولاية. ولعل هذا المنحى التصاعدي هو ما دفع رئيس الحكومة "مانموهان سينج" إلى وصف التمرد الماوي مؤخراً بأنه أكبر تهديد داخلي تواجهه الهند. وهذا الوصف لا ينطوي على أية مبالغة، ليس فقط بسبب اتساع الرقعة التي يمارس فيها "الماويون" الهنود تحركهم، وإنما أيضاً بسبب التغير النوعي في استراتيجياتهم. فمن بعد أن كانوا محاصرين داخل الغابات، ولا يجرؤون على الاحتكاك بقوات الأمن إلا نادراً، صاروا يهاجمون السجون لتحرير رفاقهم، ويدمرون أبراج الاتصالات وخطوط السكك الحديدية أو يختطفون عرباتها، ويزرعون الألغام في الطرق التي تسلكها قوات الشرطة، وذلك على نحو ما حدث في 4 أبريل المنصرم حينما قتل أربعة من رجال الشرطة بتلك الطريقة في ولاية "أوريسا". وبطبيعة الحال، فإن مثل هذه الحوادث، وآخرها مقتل 76 رجل أمن في منتصف أبريل الماضي في كمين نصب لهم في مقاطعة "تشاتيسجار"، ما كان ليمر دون أن يفجر نقاشاً واسعاً على الساحة الهندية. فعلى حين اعترضت جماعات حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني وكتاب الرأي على استخدام العنف لمواجهة التمرد الماوي، بدعوى أن ذلك لن يؤدي إلا إلى المزيد من سفك الدماء، خرج فريق ينتقد سياسات الحكومة ويصفها بالمتساهلة، وينتقد اعتمادها على قوات لا تملك الخبرة الكافية لإدارة حرب العصابات والحروب النفسية والاستخباراتية، مطالباً بأن يزج الجيش في المعركة بدلاً من قوات الأمن والشرطة، لأن الأول أفضل خبرة وتدريباً، وأكثر امتلاكاً للأسلحة المتطورة من الثاني. بل ظهر فريق ثالث يطالب الحكومة بضرورة استخدام المقاتلات الحربية والمروحيات في قصف "الماويين" من الجو، وذلك على غرار ما فعلته القوات السريلانكية في حربها مع المتمردين التاميل والتي انتهت بتحقيقها نصراً سريعاً. وكما كان متوقعاً، فقد انبرى للمطالبين باستخدام سلاح الجو لضرب الماويين، بعض نشطاء حقوق الإنسان وكتاب الرأي، قائلين إن جيش البلاد قد أوجد للدفاع عن الوطن، وليس لسفك دماء المواطنين أيا كانت المبررات، ومحذرين من أن استخدام القصف الجوي في مناطق وعرة أو مكتظة كالتي ينشط فيها الماويون قد يؤدي إلى وقوع ضحايا كثر من الأبرياء، وبالتالي قد يقرب الناس من المتمردين. وردا على هذا الكلام قال وزير الداخلية الهندي: "إن حكومتي قد لا تلجأ الآن إلى القصف الجوي، لكنها ستترك الباب مفتوحاً أمام جميع الخيارات مستقبلاً"، ومضيفاً: "على الذين يتباكون على حقوق الإنسان، أو يدبجون المقالات الطويلة دفاعاً عن حقوق الماويين وسلامتهم، أن يتذكروا كيف ستهدر حقوقهم وستصادر أقلامهم إذا ما وصل الماويون إلى السلطة". وفي الفلبين، يتجمع الماويون تحت مظلة "الحزب الشيوعي الفلبيني"، والأخير يعتبر الذراع السياسية للجيش الشعبي الجديد، الذي قاتل الحكومات الفلبينية المتعاقبة بوحشية طيلة العقود الأربعة الماضية، أي منذ تأسيسه في عام 1969 على يد أستاذ الأدب الإنجليزي السابق في جامعة الفلبين البروفيسور العجوز "خوزيه ماريا سيسون"، الذي يقيم في المنفى بهولندا منذ أن أطلقت الرئيسة السابقة "كورازون أكينو"سراحه من بعد سجن دام تسعة أعوام، علماً بأن "سيسون" نفسه قاد مفاوضات مع حكومة مانيلا من أجل إنهاء التمرد المسلح، لكنها تعثرت بسبب إصراره على اشتراك الماويين في السلطة، وهو ما رفضته مانيلا لأنه يخالف الدستور. وطبقاً لمصادر حكومة الرئيسة "جلوريا أرويو"، فإن الماويين من أعضاء الجيش الشعبي الجديد قد تم إضعافهم كثيراً بفضل العمليات العسكرية المتتالية ضدهم، وبفضل البرامج الاقتصادية والاجتماعية التي دشنتها الحكومة لرفع مستويات المعيشة، حيث يُقال إن عددهم تقلص من 25 ألف عنصر مسلح في عام 1987 إلى حوالي 4700 عنصر في عام 2009 . لكن هناك مراقبين يعتقدون أن الجماعة لازالت قادرة على التخريب، بفضل انتشار عناصرها في مقاطعات مختلفة. بل إن هؤلاء يعتبرون "الماويين" الأكثر تهديداً للأمن في الفلبين من غيرهم، ويقولون إن ماويي الفلبين باتوا يصدرون خبراتهم القتالية إلى الخارج. والجزئية الأخيرة ربما تكون مرتبطة بمعلومات استخباراتية حديثة عن العثور على ماويين فلبينيين، وهم يقومون بتدريب عناصر ماوية في الهند. أما آخر أخبار "الماويين" الفلبينيين، فهو أنهم للمرة الأولى منذ عودة الديمقراطية إلى الفلبين، سيشاركون في الانتخابات الرئاسية المقبلة. حيث تقول الأنباء إنهم أسسوا تحالفاً استراتيجيا مع المرشح الرئاسي "مانويل فيلار" الذي يحتل الموقع الثاني مباشرة في استطلاعات الرأي خلف المرشح "نوي نوي أكينو" ابن الرئيسة الراحلة "أكينو". ورداً على الانتقادات الموجهة إلى "اليساريين" و"الماويين" حول تحالفهم مع شخصية برجوازية وإقطاعية كالبليونير "فيلار"، قالت مصادر "الحزب الشيوعي الفلبيني" إن التحالف القائم هو مجرد تكتيك سينتهي بانتهاء أهدافه، وهو الحصول على أموال لإيصال أكبر عدد من "اليساريين" إلى البرلمان. وبالرغم من نفي "فيلار" أنه وضع ثروته تحت تصرف مرشحي "اليسار" و"الماويين" للفوز بالانتخابات، فإن الرجل سيقع لا محالة في ورطة مع قادة الجيش - إذا ما فاز بالرئاسة - لأن هؤلاء لن يغفروا له دعمه لجماعة بينهم وبينها ثأر. ومن هنا قيل إن قادة الجيش سيمارسون نفوذهم لإنجاح المرشح الرئاسي الآخر "جلبيرتو تيودورو" وزير الدفاع السابق المدعوم من "أرويو".