الشاهد الآن أن الكثيرين تقريباً باتوا يؤمنون بأن إيران، وعلى الرغم من العقوبات المتعددة، الدولية والغربية، والضغط الدبلوماسي المتزايد، سوف تتمكن إن آجلا أو عاجلا من إنتاج سلاح نووي. من هنا، تتعدد في الوقت الراهن مقالات الرأي حول الطريقة المفضلة لاحتواء إيران، إذا لم يكن من الممكن إيقافها وصرف أنظارها عن المضي قدماً في إنتاج السلاح النووي. بيد أن الشيء الذي يناقش بدرجة أقل، في تقديري، على الرغم مما يميزه من أهمية خاصة عالية هو -إذا ما افترضنا صحة التنبؤات المتعلقة بقدرة إيران على إنتاج سلاح نووي- كيف ستقرر إيران نشر سلاحها النووي، أو بمعنى آخر ماهو الطريق أو السيناريو الذي سوف تختاره لذلك؟ ثمة ثلاثة سيناريوهات محتملة في هذا المجال تختلف بالطبع من حيث المزايا التي تنطوي عليها بالنسبة لإيران والمخاطر التي قد تنتج عن تبلورها على أرض الواقع: السيناريو الأول: أن تسلك إيران في هذا الخصوص مسلكاً شبيهاً بذلك الذي سلكته كوريا الشمالية... أي الانسحاب رسمياً من معاهدة منع الانتشار النووي، وإجراء اختبار لأداة نووية، ثم الادعاء أنها قد نشرت سلاحاً نوويا بالفعل، والمضي قدماً بعد ذلك في تقليد الهند، وباكستان، وإسرائيل، ونشر قوة نووية كاملة الأركان، مزودة برؤوس حربية، مركبة على صواريخ سطح -سطح. وفي مثل هذه الحالة لن يكون هناك أي نوع من اللبس والغموض بشأن نوايا إيران أو مسلكها. كما لن يكون هناك سوى مجال محدود للجدل بين مكونات المجتمع الدولي حول ما فعلته إيران، والتي ستكون في هذه الحالة قد تحولت بالفعل إلى دولة نووية، وانتهى الأمر، وأصبح من الواجب التعامل معها على أنها كذلك فعلا. والاحتمال الأكثر ترجيحا هو أن يؤدي مثل هذا التطور إلى موجة جديدة من الانتشار النووي في المنطقة، وقد يؤدي إلى دفع إسرائيل لتغيير سياستها النووية القائمة على" الغموض"، واستبدالها بسياسة أخرى تعلن من خلالها صراحة، وبشكل مؤكد، أنها تمتلك أسلحة نووية بأعداد كافية، تشكل تهديداً رهيباً لإيران إذا ما حاولت التباهي بامتلاكها لقدرات نووية، أو إذا ما لجأت إلى ما هو أخطر من ذلك بما لا يقاس، وهو نقل التقنية النووية لإحدى الجماعات الإرهابية مثل "حزب الله" على سبيل المثال لا الحصر. وعادة ما تُدرج مصر، والسعودية، وتركيا، والجزائر ضمن الدول التي يُتوقع أن تستجيب لأي برنامج نووي إيراني صريح، من خلال التفكير في مراجعة التزاماتها بموجب اتفاقية منع الانتشار النووي، وربما الإقدام على اتخاذ خطوات لإنتاج قنابل ذرية خاصة بها. أما السيناريو الثاني لتحول إيران النووي، فهو سعي إيران إلى إنتاج سلاح نووي دون أن تقول شيئاً عن ذلك. وفي هذه الحالة، سوف تحرص إيران على البقاء ضمن الدول الأعضاء في معاهدة حظر الانتشار النووي، لكن دون أن تلجأ إلى إجراء اختبار على سلاح نووي. وفي هذه الحالة سوف يفترض عديدون أن إيران لديها قنبلة، بيد أنه لن يكون هناك أحد يستطيع التأكد من ذلك بشكل يقيني. وهذا الغموض والالتباس المحيطين بالوضع النووي لإيران سوف يؤديان إلى نوع من الجدل والخلاف في الرأي داخل الأسرة الدولية. وسوف يسبب هذا الوضع كذلك قلقاً واسع النطاق في المنطقة، لكنه لن يؤدي على الأرجح إلى إثارة ردود فعل عنيفة كتلك التي كان يمكن أن تتمخض عن ذلك الموقف إذا ما كان الاحتمال الأول قد تبلور فعلا. وفيما يتعلق بالسيناريو الثالث فإنه يتمثل في قيام إيران بتطوير قدراتها النووية ثم الوقوف عند العتبة النووية دون اجتيازها، أي الاكتفاء بالطاقة النووية لأغراض سلمية دون التصنيع الفعلي لقنبلة نووية. ويطلق على هذا الخيار في بعض الأحيان" الخيار الياباني". فعلى الرغم من أن اليابان تتمتع بكافة الإمكانيات والموارد والقدرات الفنية التي تمكنها من إنتاج قنبلة نووية في وقت وجيز للغاية، إلا أنها قانعة بعدم الإقدام على إنتاجها. والسؤال هنا هل يمكن لإيران أن تقترب من إنتاج القنبلة بنفس المسافة التي تقترب بها اليابان، مع سماحها في نفس الوقت بالتفتيش على منشآتها النووية من قبل مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والبقاء كذلك ضمن الدول الموقعة على اتفاقية حظر الانتشار النووي؟ هذا الخيار يشكل مقامرة يبدو أن طهران ربما قد تكون مستعدة للإقدام عليها، لأنها تعرف تماماً أنه كلما ازداد قدر اللايقين الذي يكتنف برنامجها النووي، كلما قلت احتمالات اتخاذ موقف موحد ضدها، في الأمم المتحدة، أو مجلس الأمن، أو الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا. ويمكن لنا أن نستنتج إذا ما نظرنا إلى الأمر من خلال منظور منطقي، أن إيران سوف تحقق أقصى ربح لها من خلال تطبيق السيناريو الأخير... في حين أن الاحتمال الأكثر ترجيحاً في حالة تطبيق السيناريو الأول هو أن تجعل إيران من نفسها دولة منبوذة، بل وهدفاً للانتقام من قبل دول عديدة، على رأسها الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل بالطبع. وفي أعماق أعماقهم قد لا يكون القادة الإيرانيون راغبين في رؤية مزيد من الانتشار النووي في منطقة الخليج والشرق الأوسط، وهو الأمر الأكثر ترجيحاً، خاصة إذا ما اختارت إيران السير على نفس الطريق الذي سارت عليه كوريا الشمالية من قبل. وكل هذا يؤشر في مجمله على أننا سنشهد المزيد من عدم اليقين، والسجالات حول نوايا إيران الحقيقية، وقدراتها النووية، كما سنشهد استمراراً للمصاعب المتعلقة بتحقيق إجماع دولي بشأن الكيفية التي يمكن بها التعامل مع هذه المشكلة العويصة بالنسبة للمجتمع الدولي برمته.