في الأسبوع الماضي أفادت صحف إسرائيلية بأن نتنياهو قال في اجتماع للحكومة، عقب محادثاته مع المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط ميتشل، إن إسرائيل والولايات المتحدة ترغبان في "بدء عملية السلام فوراً" وبدون أية شروط مسبقة. ومن جانبها، قالت هيلاري يوم الجمعة الماضي إن الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني سيبدآن مفاوضات سلام غير مباشرة الأسبوع المقبل على أساس أن تفضي هذه المفاوضات غير المباشرة إلى مفاوضات مباشرة في الوقت المناسب. ولكن حتى تكون أمام عملية السلام الجديدة فرصة جدية في أن تفضي إلى تسوية سلمية للنزاع الإسرائيلي/ الفلسطيني، يجب على الطرفين أن يأتيا إلى هذه المفاوضات بحسن النية، وأن يكونا مستعدين لقبول معايير موضوعية، ويلتزما بنتيجة تعكس المصالح المتبادلة، وليس نتيجة تعادل فيها مكاسبُ أحد الطرفين خسارةَ الطرف الآخر. ولكي يحدث ذلك، ينبغي أن تكون المفاوضات قائمة على مبدأ المساواة، وهو مبدأ استبعده نتنياهو عندما شرح رؤيته لمستقبل إسرائيل؛ وبناء عليها، يبدو أنه يريد تسويةً سلمية مع الفلسطينيين يتم التفاوض حولها من موقف قوة. والحال أن نتيجة من هذا القبيل لن تكون نتيجة مثمرة للمفاوضات، وإنما ستكون مسعى لفرض إرادة الطرف الأقوى واستسلام الطرف الأضعف. وهي وصفة ليس لإنهاء النزاع، وإنما لإدامته. إننا نعرف ما الذي سيجلبه نتنياهو لهذه المفاوضات؛ وهو أمر غير مشجع. فبخصوص موضوع حسن النوايا، يمكن القول إنه من الصعب التصديق بأن نتنياهو مهتم حقاً بتسوية منصفة وموضوعية تضع حدّاً للنزاع وتسمح بإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة تعيش في سلام إلى جانب إسرائيل؛ وذلك لأنه بموازاة مع ادعائه الرغبة في السلام، يفعل كل شيء لجعل تحقيقه إمكانية مستحيلة. ولنتأمل الحصار المستمر على غزة (الذي وصفه تقرير القاضي جولدستون، بأنه جريمة محتملة ضد الإنسانية) وتكثيف بناء المستوطنات اليهودية في الأراضي الفلسطينية المحتلة – وهما أمران لا يعدان غير قانونيين وفق القانون العالمي ومدانين من قبل المجتمع الدولي فحسب، وإنما يعتبران مدمِّرين سلفاً لأسس أية تسوية سلام دائم. وأفعال نتنياهو تكذب أقواله حين يزعم أن إسرائيل ملتزمة بالاتفاقات الدولية؛ والحال أن تكثيفه لبناء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة يمثل انتهاكاً فجّاً وصارخاً للحظر الصارم لكل أنشطة الاستيطان كما تنص على ذلك الاتفاقية نفسها التي ستستند إليها عملية السلام الجديدة: خريطة الطريق وفق مسار ترعاه اللجنة الرباعية الدولية (الولايات المتحدة وروسيا والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي). وفي هذا الصدد، أكدت صحيفة "جيروزاليم بوست" الأسبوع الماضي نية إسرائيل خرق التزامها بتفكيك نحو 23 مما يسمى مستوطنات عشوائية "على رغم التزام إسرائيل في خريطة الطريق عام 2002، وسنوات من التعهد من قبل رؤساء الحكومات المتعاقبين، ومنهم نتنياهو نفسه". وفي رد فعلها، دعت إدارة أوباما إسرائيل إلى الوفاء بالتزاماتها، حيث قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية: "لقد تعهدت الحكومة الإسرائيلية باتخاذ خطوات محددة... إن عليهم مسؤوليات ونحن نتوقع منهم أن يفوا بما تقتضيه هذه المسؤوليات". ثم لنتأمل الآن ادعاء نتنياهو بأنه مستعد للمفاوضات مع الفلسطينيين بدون أية شروط مسبقة، وهو الذي يحكم سلفاً على نتيجة المفاوضات عبر وضعه قائمة طويلة من الشروط الخاصة من قبيل تأكيده المتكرر: يجب على الدولة الفلسطينية أن تكون منزوعة السلاح، وألا تكون لها سيطرة على مجالها الجوي؛ ويتعين على الفلسطينيين أن يعترفوا بالطابع اليهودي لإسرائيل؛ ويجب ألا يتم تقسيم القدس وأن تظل تحت السيطرة الإسرائيلية؛ ويجب ألا يُسمح للاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى إسرائيل... الخ. وهو ما ينسجم مع رؤيته لتسوية لا يتم التفاوض بشأنها مع شريك ند، وإنما تُفرض من موقف قوة. ففي خطابه بجامعة "بار إيلان" في يونيو الماضي، تعهد نتنياهو بألا يشرع في بناء مستوطنات جديدة أو مصادرة أراضٍ فلسطينية من أجل توسيع المستوطنات الحالية. ولكن التزاماته أثبتت أنه لا يمكن التعويل عليها أبداً مثلما ورد في عدد من وسائل الإعلام الأميركية والإسرائيلية بعد أن أعلنت الحكومة الإسرائيلية خلال الأسابيع الماضية عن بناء 1600 وحدة استيطانية في القدس الشرقية المحتلة واستمرت في تهجير الفلسطينيين من منازلهم. ولنتأمل أيضاً المنطق الذي يدفع به نتنياهو لتبرير انتهاكه المستمر للحظر الذي تفرضه خريطة الطريق على بناء كل المستوطنات وتحديه لمطلب أوباما بوقف كل الأنشطة الاستيطانية. فقد قال نتنياهو إنه استثنى ما يسمى بالنمو الطبيعي للمستوطنات من الالتزام بعدم بناء مستوطنات جديدة (هو التزام منكوث أيضاً)، وذلك على اعتبار أن على إسرائيل أن تسمح للمستوطنين بأن يعيشوا حياة طبيعية ويربوا أطفالهم مثل "كل العائلات عبر العالم"! ولكن نتنياهو تجاهل حقيقة أن "كل العائلات في العالم" لا تعيش على أراض مسروقة. إن غياب حسن النية من جانب الزعماء الإسرائيليين ليس مسألة تكهن أو تقوُّل، بل هو واضح وجلي في الاستراتيجية الإسرائيلية المتبعة التي تقوم على المناورة اللفظية فقط في تأييد عملية السلام في العلن، ثم العمل بموازاة مع ذلك على خلق حقائق جديدة على الأرض واختلاق العراقيل التي تُفرغ عملية السلام من أي محتوى أو قيمة. وهي علاوة على ذلك تُناقش بصراحة في الصحف الإسرائيلية التي تشكك بشكل صريح في التزام نتنياهو بالسلام. على أن اللافت هو أن غياب مقاربة لعملية السلام تعكس حسن النية أصبح حقيقة لا يكتفي إسرائيليون نافذون بالاعتراف بها فحسب، وإنما يتم التفاخر بها كإنجاز استراتيجي يحول دون أن تفضي عملية السلام إلى تسوية سياسية أبداً. والواقع أنه إذا جاء نتنياهو إلى المفاوضات غير المباشرة بالمقاربة نفسها وبالمواقف نفسها التي يعبر عنها علناً، فإنه يمكن القول إن وقتاً طويلاً لن يمر قبل أن تنهار هذه المفاوضات. والحال أن لدى الإسرائيليين والفلسطينيين الكثير ليجنوه من انخراط أميركي أكثر مباشرة في العملية التفاوضية. وقد دعا كل من الإسرائيليين والفلسطينيين إدارة أوباما لتقديم أفكارها بخصوص تسوية نهائية، وفي هذا الإطار قال كاتب إسرائيلي مخاطباً المبعوثَ الأميركي ميتشل: "اجلب لنا مخطط سلام، وإلا ابقَ هناك في بلادك!".