جون بركنز خبير اقتصادي أميركي عمل مع وكالة الأمن القومي الأميركي سنوات طويلة في هذا الحقل السري، وكان معنياً باستدراج الدول النامية للوقوع في "فخ" الديون تحت مسميات براقة مثل تحرير التجارة، وتحسين البنية التحتية، وتحقيق التنمية. ومعروف عن التمويلات الدولية للبلدان الفقيرة أنها غالباً ما تؤول إلى خزائن الشركات الكبرى، وإلى جيوب قلة من الفئات الثرية المسيطرة. ووسائل ذلك كثيرة، لا تتوقف عند اصطناع التقارير المالية، بل تشمل التزوير، والرشوة، والابتزاز. وحين تصبح الدولة المستهدفة فقيرة، تعاني من العجز والبطالة، حينئذ تبدأ غالبية مداخيلها تذهب لسداد الديون. هذه الصورة بدت لي واضحة وأنا أقرأ كتاب جون بركنز؛ "الاغتيال الاقتصادي للأمم"، والذي ضمّنه خلاصة تجربته العملية الطويلة كـ"قرصان اقتصادي"، يعمل بسرية مع أطقم شركات أميركية عملاقة هدفها نهب الدول وتفليس اقتصاداتها. وهنا يكشف المؤلف تلك اليد الخفية التي تدفع الدول إلى السقوط في براثن الأزمات المالية والديون. وقد جاءت اعترافاته كـ"صحوة ضمير"، كما يقول، لتنبيه الدول النامية حتى لا تنزلق نحو المشاريع الخادعة التي تروج لها بعض الشركات الأجنبية والمستثمرين الأجانب. يقول بركنز: "عندما بدأتُ التدرب على هذه المهمة مع معلمتي كلودين، وضعتني في صورة الدور الذي سأقوم به وحدَّدته لي بدقة قائلة: أريد أن أشكلك لتكون قرصاناً اقتصادياً، وهذا الأمر ينبغي ألا يعرفه أي شخص حتى زوجتك. ثم استكملت حديثها: نحن ناد صغير ونتقاضى رواتب كبيرة لنخدع بلاداً كثيرة في أنحاء العالم... وجزء كبير من مهمتك هو إقناع قادة العالم بأن يصبحوا جزءاً من شبكة واسعة تروج لمصالح الولايات المتحدة التجارية". وأخيراً، تضيف المدربة، فهؤلاء القادة "سيصبحون مكبلين بسلسلة من الديون تضمن ولاءهم لنا، ومن ثم نستطيع أن نطلب منهم ما نشاء لخدمة مصالحنا السياسية والاقتصادية والعسكرية". وهكذا فالمهمة التي ينطلق منها العاملون في هذا المجال ترتكز على هدفين أساسيين: الأول: اختلاق مبررات للقروض الكبيرة التي تعيد ضخ المال إلى الشركات الأميركية من خلال مشاريع تطرح على تلك الدول. الثاني: العمل على إفلاس البلاد المقترضة بحيث تكون مَدينة للأبد وعاجزة عن تسديد الدين، وهنا يُطلب منها اقتطاع "رطل من اللحم مقابل الدين". وتتضمن قائمة الطلبات في هذه الحالة: 1- السيطرة على تصويتها في الأمم المتحدة. 2- إنشاء قواعد عسكرية فيها. 3- الهيمنة على أسواقها وثرواتها الطبيعية. ويقدم المؤلف أمثلة حية على هذه السياسة، منها الأكوادور التي آلت مشاريعها إلى الإفلاس، كما قفزت معدلات الفقر والبطالة فيها إلى مستويات فلكية، وارتفع دينها العام من 240 مليون دولار إلى 16 مليار دولار، وأصبحت الأكوادور تدفع نصف ميزانيتها لسداد الديون. إن الدهاء الذي يتصف به عمل "القرصان الاقتصادي" يفوق ما كان يفعله المستعمرون التقليديون، فهو ذو قدرة عالية على الاختراق؛ لا يحمل سيوفاً ولا يرتدي دروعاً أو ملابس مميزة، بل يرتدي ملابس كالتي يرتديها المدربون المحليون وأصحاب المهن والمحال التجارية. وإذا فشلت استراتيجيته المغلَّفة بمفاهيم الحكم الرشيد وتحرير التجارة وحقوق المستهلك، فسوف تدخل الساحة فصيلة أكثر تمرساً، هم رجال "العمليات القذرة" (المخابرات). وإن فشل هؤلاء فستتدخل الجيوش ويصبح الغزو العسكري هو الحل.