كان الخامس والعشرون من أبريل المنصرم، اليوم العالمي للملاريا، مناسبة جدد فيها العالم عزمه على بذل جهود أكبر لمكافحة الملاريا. ويتسم الاحتفال بيوم الملاريا هذا العام، بكونه التحدي الأكبر الذي يواجهه المجتمع الدولي، إذ لم يبق له سوى أقل من عام للوفاء بالتزاماته بتوفير وقاية أكثر فعالية من الإصابة بالملاريا، إلى جانب معالجة ملايين المصابين بها سنوياً في مختلف قارات العالم، خاصة النامية والفقيرة منها، وهي الأهداف التي دعا إليها أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون. ويتسق تجديد هذا العزم الدولي على مكافحة الملاريا، مع ما تناقشه سونيا شاه مؤلفة هذا الكتاب "الحمى... كيف سادت الملاريا على البشرية لـ500 ألف عام؟". فقد استقطبت مكافحة الملاريا طاقات أعداد كبيرة من المعنيين بالأعمال الإنسانية الخيرية، مؤسسات ومنظمات وأفراداً، ممن وهبوا جهودهم وأموالهم لمساعدة ضحايا هذا الوباء الفتاك، خاصة في المجتمعات الفقيرة حيث يسقط الآلاف متأثرين بالمضاعفات الصحية الخطيرة للملاريا. لكن، ولما كنا في عصر يثير فيه ظهور كل وباء أو مرض جديد ذعر البشرية كلها، فلماذا لم نفعل ما يكفي للقضاء على أحد أقدم أعداء البشرية على الإطلاق: الملاريا؟ وكيف يمكن لمرض طفيلي اكتشفنا سره ومسبباته منذ عدة قرون، أن يظل قادراً إلى اليوم على إصابة نحو 500 مليون سنوياً، وقتل مليون شخص منهم سنوياً كذلك؟ هذه وغيرها من الأسئلة، تطرحه المؤلفة سونيا شاه، عبر إبحارها الطويل في تضاريس هذا المرض الممتدة لنحو 500 ألف عام للوراء. فعلى امتداد عدة قرون واصلت البشرية الاستثمار في أماني القضاء على هذا الوباء الفتاك، وذلك بابتكار مجموعة هائلة من العقاقير الطبية والتكنولوجيا الرامية لاستئصال الوباء. لكن باءت كل تلك الجهود بدرجة متفاوتة من الفشل، وبقيت الملاريا بيننا إلى اليوم. تتابع المؤلفة في استعراضها التاريخي هذا الوباء، من نشأة العالم الجديد، مروراً ببناء قناة بنما، وعبر سلسلة من الحروب، وصولاً إلى التقدم العلمي التكنولوجي الكبير الذي حققته الثورة الصناعية في أوروبا، وسلسلة المآسي التي خلفتها الملاريا وتأثيراتها الفادحة على المجتمعات البشرية واقتصاداتها على امتداد القرون. وتثير ضمن هذا الاستعراض التاريخي مجموعة من الأسئلة المحيرة ذات الصلة بقدرة الطفيل المسبب للملاريا على البقاء، بذات العناد الذي بقيت به حشرة البعوض الحاملة للمرض! وبحكم كونها كاتبة صحفية متخصصة في الشؤون العلمية، فقد جاءت تغطيتها لقصة الملاريا عبر التاريخ، أشبه بالرحلة العلمية المثيرة، والمترعة بالتفاصيل المأساوية دون شك. فقد جابت المؤلفة أنحاء العالم في رحلة طويلة امتدت بها من بنما إلى الملاوي، إلى الكاميرون، والهند.. إلخ. وخلال ذلك تقف وتتأمل هذه الشوكة المنغرسة في خاصرة البشرية، دون أن تتمكن مطلقاً من نزعها وكسرها. وفي الكتاب جانب آخر متعلق بما أصبح يعرف في عالم الطب الحديث باسم الأنثروبولوجيا الطبية ومعالجة الجوانب الثقافية من مكافحة الأوبئة والأمراض الفتاكة. من ذلك مثلاً ما تناولته من نقاش لكيفية استجابة المجتمعات الإفريقية لجهود المنظمات الدولية العاملة في استئصال الملاريا. ومن ذلك أيضاً استخدام الكثيرين في تلك المجتمعات للناموسيات التي ترافقهم خلال أغلب فصول السنة. وتستنتج المؤلفة أنه ربما لم يعد مناسباً أن تبحث المنظمات العاملة والعلماء والباحثون عن الحلول ثم يعملون على تطبيقها بما يتعارض ومزاج أو ثقافة المجتمعات التي تصمم لها هذه الحلول. والأنسب في رأيها أن تعمل المنظمات والجهات المهتمة بمكافحة الملاريا واستئصالها، على تمكين المجتمعات الفقيرة من المشاركة بنفسها في وضع الحلول المناسبة لمشاكلها وتطبيق ما يلائمها ثقافياً واجتماعياً ونفسياً. عبدالجبار عبدالله الكتاب: الحمى... كيف سادت الملاريا على البشرية 500 ألف عام؟ المؤلفة: سونيا شاه الناشر: دار شتراوس آن جيرو للطباعة والنشر تاريخ النشر: 2010