شهدت الأيام القليلة الماضية انعقاد مؤتمر طبي في مدينة جنيف بسويسرا مختص بمفهوم طبي حديث نوعاً ما هو مفهوم الطب المتمركز حول الشخص أو المريض (Person-Centered Medicine)، الذي يمكن ترجمته مجازاً إلى الطب الشمولي. وتعود جذور هذا المفهوم إلى الزيادة الحاصلة في توقعات عامة الناس من نظم الرعاية الصحية التي تتكفل بوقايتهم وعلاجهم من الأمراض، حيث أصبح أفراد المجتمع ينتظرون، ويأملون من نظم الرعاية الصحية، أن تكون أكثر شمولية، ومصداقية، وتفهماً، كي تأخذ في الاعتبار جميع جوانب حالتهم الصحية، وليس فقط الأعراض والعلامات المرتبطة بشكل مباشر بمرضهم، وهي ذات الانتظارات والآمال التي يعلقونها على أفراد الطاقم الطبي العامل في نظم الرعاية الصحية. وبالفعل في العديد من الدول الصناعية أصبح مفهوم الطب المرتكز حول الشخص، وخصوصاً على صعيد الرعاية الأولية، جزءاً لا يتجزأ من نظم الرعاية الصحية في تلك الدول، على عكس الوضع في الدول النامية والدول الفقيرة. هذا على رغم أن الطب الشمولي ليس بالرفاهية الاختيارية، بل على العكس هو ضرورة حيوية، يمكن استيفاؤها، حتى في ظل نقص المصادر والموارد المالية، بناء على أن الخدمات الصحية التي تخلق نوعاً من العلاقة بين الأشخاص، ومجتمعاتهم، وبين القائمين على رعايتهم الصحية، يمكنها الاستجابة بشكل أفضل لاحتياجات المرضى. وهو ما يتوافق مع التعريف الدولي لمعنى (الصحة) الذي ترافق إطلاقه مع إنشاء منظمة الصحة العالمية عام 1948، ونص على أن "الصحة هي حالة من التكامل والعافية البدنية، والعقلية، والاجتماعية، وليس فقط مجرد غياب الأمراض والعلل أو العجز والإعاقة". وهذا يعني حسب الشرح الذي أضيف عام 1986 للتعريف السابق أن الصحة هي "مورد أو مصدر أو وسيلة للحياة اليومية، وليست هدفاً في حد ذاته للحياة". ولذا يعتبر مفهوم الصحة مفهوماً إيجابيّاً يؤكد ويركز على مجمل الوضع الحياتي للفرد، وليس فقط على قدراته البدنية وخلوّه من الأمراض. والغريب أن هذا المفهوم الذي يبدو حديثاً للوهلة الأولى، يعود في أصوله إلى الممارسات الطبية خلال الحضارات القديمة، وخصوصاً في الصين والهند واليونان، التي اعتمدت على فهم وإدراك الأمراض من خلال نظرة أكثر اتساعاً، وأكثر شمولية للجوانب المختلفة لحياة المريض. وما حدث خلال العقود الماضية مع التطورات المتلاحقة التي أدت بالطب الحديث إلى شكله الحالي أنه تم تجاهل الاعتبارات السابقة في رعاية المريض، مع زيادة الاهتمام بالمرض في حد ذاته فقط، وبشكل معزول عن الصورة العامة، والاتجاه للتخصص داخل التخصص، وتجزئة وتفكيك الرعاية الصحية، وتحويلها إلى سلعة تخضع إلى حد كبير للاعتبارات التجارية. وهو ما يتعارض مع ضرورة كون المريض محور الاهتمام الرئيسي، بجميع جوانب حياته، وقد أدى هذا بالتبعية إلى تحوله إلى رقم في ملف، نزع عنه إلى حد كبير وجهه الإنساني. وقد دفعت تبعات هذا الوضع المؤسف بالطب الحديث في العالم الغربي إلى محاولة العودة بالعناية الصحية إلى شموليتها، وهذا يتضح من التركيز على الطب العام وطب الأسرة، كركيزة أساسية في الرعاية الصحية. فعلى عكس ما كان سائداً خلال العقود الماضية، أو الاتجاه إلى التخصص في الخدمات الطبية، والتخصص داخل التخصص، أصبح الطب العام حاليّاً هو القاعدة الأساسية ونقطة البداية، وخصوصاً في الدول التي توفر الرعاية الصحية لمواطنيها من خلال نظام صحي اشتراكي مجاني. فلعقود كان الأخصائيون والاستشاريون يحتلون قمة الهرم الطبي من الناحية المهنية والمالية، وهو ما تغير بشكل كبير مؤخراً، فليس من النادر أو المستغرب أن يحصل حاليّاً أطباء الأسرة والطب العام على رواتب ومزايا أعلى من الأخصائيين والاستشاريين. بل إن الطبيب العام أصبح هو القوة الأكثر تأثيراً في نظم الرعاية الطبية الحديثة من خلال تمتعه بصلاحيات تمكنه من تحديد ما إذا كان يجب تحويل المريض إلى أخصائي أو استشاري، وفي أي قسم، وأي مستشفى، وهي الصلاحيات التي تُمكن الطبيب العام وطبيب الأسرة من توجيه نظام الرعاية الصحية برمته. والمتابع لنظم الرعاية الصحية الغربية، وخصوصاً الأوروبية منها، سيجد تعاظماً في دور الطبيب العام، وتراجعاً في دور المتخصصين، والاستشاريين. ويأتي هذا التغيير في ظل إدراك حقيقة أن الأخصائي والاستشاري، يتعامل مع المريض من خلال تخصصه فقط ويركز على مرضه وشكواه في هذا التخصص ليس إلا، أما طبيب الأسرة فيُعنى بالحالة الصحية العامة للمريض، وحالته العقلية والنفسية أيضاً، بالإضافة إلى ظروفه الاجتماعية والمالية. وهذه العلاقة الشخصية التي تربط بين المريض وطبيبه لا زالت مفقودة في الكثير من دول العالم النامية، وخصوصاً في الدول العربية، التي لا زال ينظر فيها للأخصائي والاستشاري على أنه أرفع درجة ومرتبة علمية من الطبيب العام، مع أن العكس قد يكون هو الصحيح. ففي الوقت الذي يصب فيه الأخصائي جل اهتمامه على تخصص واحد، نجد أن الطبيب العام يتمتع بمعرفة أوسع مجالا، وأكثر شمولية، وإن كانت بالطبع أقل عمقاً في التخصص الواحد. وهذا الاتجاه لا يقتصر فقط على توزيع التخصصات وأهميتها داخل نظام الرعاية الصحية، بل يمتد أيضاً إلى الممارسة الطبية في حد ذاتها، من خلال ما أصبح يعرف بالطب الشخصي (Personalized Medicine)، الذي يشدد على الاستخدام المنهجي للمعلومات الخاصة والشخصية للمريض، في توخي الأمثل من بين خيارات الوقاية والعلاج المتوفرة. وهو ما يندرج تحت شعار الطب الشخصي الذي ينص على ضرورة اختيار العلاج الأفضل للشخص المناسب، وفي الوقت السليم.