لقد جاءت محاولة تفجير السيارة الملغومة في ميدان "تايم سكوير" بنيويورك لتؤكد أن الإرهاب سرطان تفشى وانتشر، وأنه عابر للحدود ولا قيم تردعه عن إزهاق أرواح الأبرياء بغض النظر عن خلفياتهم الدينية والعرقية والفكرية، بل يتم قتلهم لأنهم بشر، وهذا إرهاب لا يقبله عقل ولا دين، وهو مرفوض ويجب أن يحارب بكل الوسائل التي قد تؤدي إلى القضاء عليه. وقد تمت معالجة الحادثة من قبل السياسيين وأجهزة الإعلام في كل مكان على أنها عمل إرهابي يجب أن يُدان، وهذا حق لا غبار عليه أبداً، فقتل الأبرياء في لاهور أو نيويورك أو صنعاء أو الرياض أو موسكو هو إرهاب مهما كانت دوافعه أو مبرراته. ولكن هذا إرهاب من جماعات متطرفة خارجة على النظام والقانون ومدانة ومطاردة أينما كانت، وهي تعيش كالخفافيش في الظلام. وأما ما يحدث في فلسطين فهو إرهاب دولة تزعم أنها ديمقراطية، وتفعل ما تفعل باسم القانون، فهي تدمر المساجد باسم القانون وتقتل الأبرياء من نساء وأطفال وشيوخ باسم القانون، وتهجِّر الناس من بيوتهم وقراهم باسم القانون! بل وتحمي قطعان المستوطنين الذين يفعلون ما يشاءون بقوة السلاح الذي يملكونه وتحت مظلة الحماية التي يوفرها لهم الجيش الإسرائيلي مهما كان قبح العمل الذي سيرتكبونه، وأوضح شاهد على ذلك هو قيام المستوطنين بإحراق مسجد قرية اللبن الشرقية في الضفة الغربية، وكل ذلك يتم في ظل نظام يتشدق أمام العالم بديمقراطيته الفريدة في هذا الجزء من العالم، وأنه نموذج فريد لدولة القانون وسيادته في المنطقة، ولكنه قانون لا يحمي الإنسان لأنه إنسان بل هو قانون لا يعترف بإنسانية الفلسطيني ولا بقدسية دينه. ولذا فنحن هنا أمام إرهاب دولة، إرهاب في ظل القانون، سواء تم ذلك على أيدي قوات الجيش والشرطة الإسرائيليين أم تم على أيدي المستوطنين فهو في النهاية إرهاب، وهو يشترك مع منفذي محاولة تفجير السيارة المفخخة في نيويورك في أن التطرف هو دافعهم، بل إن بعضهم في النهاية يدعم بعضاً من خلال تجنيد المزيد من الأتباع للرد على أفعال الطرف الآخر، وبالتالي توليد دورة جديدة من العنف والعنف المضاد. إن القضاء على ما يسمى بالإرهاب الإسلامي لن يتحقق أبداً ما دام الشعب الفلسطيني يعاني من الظلم والاضطهاد وضياع الحقوق، وما دامت إسرائيل تمارس سياستها العدوانية أمام أنظار العالم وفي ظل حماية غربية وغطاء دولي، بل إن هذه الممارسات هي المغذي الرئيسي لكل أفكار التطرف في المنطقة، التي إن استمرت فإن ضررها سيتعدى المنطقة لأن الإرهاب لا يعبأ بالحدود كما هو الحال في حادثة نيويورك.