تبدو زيارة الأسد المرتقبة إلى مصر خطوة كبيرة على طريق تحسن العلاقات بين البلدين. لكن هذا لا يعنى أن هذه الزيارة، وهي الأولى منذ نحو أربع سنوات، ستحقق نقلة نوعية باتجاه مصالحة تعيد العلاقات إلى ما كانت عليه قبل أن يدب فيها الفتور ويتحول نفوراً. لذلك تنطوي ثورة التوقعات بشأن هذه الزيارة على مبالغة لأنها تغفل التحولات التي حدثت خلال السنوات الأخيرة في الأوضاع والتفاعلات الإقليمية، كما في سياستي القاهرة ودمشق ونظرة كل منهما إلى الأخرى. فقد زلزل غزو العراق عام 2003 المنطقة، بينما ترك جمود النظام العربي الرسمي فراغاً أغرى تركيا التي كانت جاهزة لدور هائم على وجهه يبحث عمن يؤديه لموازنة الدور الإيراني بشكل أو بآخر. وما أبعد صورة المنطقة العربية والشرق أوسطية، والحال هكذا، عما كانت عليه في مرحلة التوافق الثلاثي المصري -السوري- السعودي التي تهفو إليها قلوب كثير ممن يؤلمهم الوضع الراهن. كان ذلك التوافق الذي أدى دوراً إيجابياً مميزاً في حفظ تماسك النظام العربي الرسمي لفترة طويلة، وإن لم تكن متصلة، نتيجة ظرف موضوعي في مرحلة مضت وانقضت. فقد كان هذا النظام بحاجة إلى محور ارتكاز يحفظ توازنه عقب هزيمة 1967، وبعد أن فتحت مصالحات قمة الخرطوم في أغسطس من ذلك العام الباب لمرحلة جديدة في تاريخ العلاقات العربية. ووجد النظام العربي محور الارتكاز الضروري له حينئذ في التوافق المصري -السوري -السعودي، الذي حقق الإنجاز الكبير في حرب 1973، ثم تصدع بفعل أزمة كامب ديفيد 1978 -1979. لكن مقوماته ظلت قائمة موضوعياً، الأمر الذي أتاح استعادته في نهاية العقد التالي عندما ظهرت حاجة النظام العربي مجدداً إلى محور ارتكاز في اللحظة التي هزه الغزو العراقي للكويت من أعماقه. كان هذا النظام بحاجة ماسة إلى إحياء التوافق الثلاثي لحفظ تماسكه في لحظة بدا فيها مهدداً بالانفراط. وتميز هذا المحور بأن دوله الثلاث تكمل إحداها الأخرى كقاعدة عامة يجوز فيها الاستثناء. كما كانت مصر وسوريا في حاجة إلى إحياء هذا المحور، كلٌ لأسبابها. كانت مصر تسعى إلى استعادة دورها العربي وهي تعيد رسم سياستها الخارجية، فيما كانت سوريا تبحث عن مداخل جديدة لدعم دورها الذي حاول عراق صدام تحجيمه، بعد أن وجدت نفسها خارج ثلاثة تجمعات إقليمية جمع أحدها القاهرة وبغداد مع عمان وصنعاء إلى جانب التجمعين الخليجي والمغاربي. ورغم أن الخطأ التاريخي الذي ارتكبه العراق عندما غزا الكويت كان في مصلحة دور سوريا، فإنها كانت تخشى في الوقت نفسه تداعيات ذلك الغزو على النظام العربي برمته بل على فكرة العروبة التي تعتبر أحد أهم مصادر شرعية سياستها. كما أن التوجه الأميركي صوب إطلاق عملية سلام شاملة في المنطقة، بعد تحرير الكويت، ساهم في تقريب المسافة التي كانت قد تباعدت بين القاهرة ودمشق. فكان هناك، إذن، أساس موضوعي قوي في مطلع العقد الأخير في القرن الماضي لإعادة بناء محور الارتكاز الثلاثي الذي نجح في احتواء تداعيات الانقسام العربي في أزمة 1990، وإن لم يتمكن من تجاوزها. كما استطاع تأمين توافق عربي واسع تجاه الجهود السلمية لتسوية الصراع العربي -الإسرائيلي منذ مؤتمر مدريد 1991، وإن لم يتمكن من إنجاز اتفاق نهائي سوى في المسار الأردني -الإسرائيلي الذي لم تكن فيه مشاكل كبيرة. غير أن الأمر يختلف الآن كثيراً، لأن تفكك العلاقة المصرية -السورية -السعودية تدريجياً منذ مطلع الألفية الجديدة، وخصوصاً بعد غزو العراق، ارتبط بتغير جوهري في المنطقة وتفاعلاتها وبتحول في سياستي القاهرة ودمشق، بخلاف ما حدث في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي. ففي الفترة بين أواخر السبعينيات ونهاية الثمانينيات، لم تحدث في المنطقة تحولات نوعية. كان التحول الوحيد من هذا النوع هو "كامب ديفيد" الذي فكّك التوافق الثلاثي. فلما سعت مصر إلى تقليص آثاره الوخيمة عبر استعادة علاقاتها العربية، أمكن بناء ذلك التوافق مجدداً في لحظة كان لدى كل من مصر وسوريا ما يدفعها إلى التلاقي مجدداً في العمق وليس عند السطح. أما في الفترة منذ مطلع الألفية الجديدة، وخصوصاً منذ 2003، فقد شهدت المنطقة تحولات نوعية لا تقتصر على أن إيران وتركيا صارتا الأكثر قدرة على تحريك التفاعلات فيها. وإذا كانت علاقات سوريا مع إيران قد بلغت مبلغاً يقترب من التحالف الاستراتيجي، فقد وصلت روابطها الجديدة مع تركيا إلى مستوى لا مثيل له بينها وبين أية دولة عربية. وإذا كان تحالف دمشق مع طهران بصفة خاصة يضع سقفاً منخفضاً لما يمكن توقعه من جراء تحسين علاقاتها مع القاهرة، فقد تكون السياسة المصرية الراهنة تجاه إسرائيل قيداً آخر على مستوى هذا التحسن. فعندما أُعيد بناء محور الارتكاز في نهاية الثمانينيات، كانت مصر في حال مراجعة لسياستها السلمية واستعداد لاتخاذ مواقف سياسية قوية تجاه إسرائيل. وكانت لها مواقفها المشهودة ضد حكومة نتنياهو الأولى 1996-1999، وصولا إلى سحب سفيرها من إسرائيل في أكتوبر 2000 تضامنا مع الشعب الفلسطيني. ولا يخفى أن القمع الإسرائيلي الذي دفع مصر إلى اتخاذ ذلك الموقف القوي كان شديد النعومة مقارنة بجرائم الحرب التي ارتكبت في العدوان الأخير على قطاع غزة الذي اتخذت مصر تجاهه موقفاً بدا "شديد اللين" إذا قورن بذلك الذي لجأت إليه عام 2000. وحين أعيدت العلاقات المصرية -السورية، بعد قطيعة كامب ديفيد، كانت دمشق حريصة على ألاّ تكون علاقاتها الوثيقة مع إيران على حساب روابطها العربية. لذلك لم تكن العلاقات بين دمشق وطهران عائقاً أمام تنامي العلاقات المصرية -السورية مجدداً ، رغم أن القاهرة كانت تشكو من دعم إيراني لبعض المجموعات التي مارست العنف ونفذت عمليات إرهابية في تلك الفترة. ويختلف ذلك كثيراً عما حدث في السنوات الأخيرة. فقد جرت في نهر العلاقات بين مصر وسوريا، كما في التفاعلات الإقليمية، مياه كثيرة يصعب نزحها، لكن يمكن التعايش معها. وهذا ما أسفرت عنه الجهود التي بُذلت على مدى أكثر من عام لتحسين هذه العلاقات، وأثمرت نزع التوتر منها وإزالة النفور فيها وإنهاء الاتهامات المتبادلة على نحو يسمح بتبادل وجهات النظر بهدوء على مختلف مستوياتها، وصولا إلى مستوى القمة بزيارة الأسد المرتقبة. ويعني ذلك أننا إزاء عملية تطبيع تتيح علاقات عادية بين مصر وسوريا، لكنها ليست العلاقات المميزة التي عرفناها في مرحلة التوافق الثلاثي الذي لعب دور محور الارتكاز بالنسبة للنظام العربي.