كنى العراقيون، يوم كانوا يفرحون بأعراسهم ويسمعون موسيقى، قبل أن تأتي مجالس المحافظات وترميهم بتشددها الديني، مثلما حصل بالبصرة مؤخراً، ويمنع مهرجان الغناء الريفي الجنوبي... كنوا لمَنْ يتمسك بالحجة التافهة، بـ"عَصاة أبو الطَبل". وقصة الكناية؛ "أن الجوق الموسيقي، إذا أتم عَمله، وبارح الدار التي أقام الحفلة فيها، ورأى أفراده تقصيراً من أصحاب المنزل في حقَّهم، يترك الطَبال عصاه التي يضرب بها الطبل عندهم، ويبارح الدار مع أصحابه، ثم يعود بعد ذلك محتجاً بأنه نسي عصاه في الدار، ليفسح لأهل الحفلة أن يتذكروا التقصير الذي عاملوا به أصحابه، فيصلحوه" (موسوعة الكنايات البغدادية). أرى أن مثل هيئة الاجتثاث، أو المساءلة والعدالة، كمثل "عصاة أبُو الطبل"، ليقول الفالح بزعامتها: أنا هنا، لا تنسوني، العصاة مركونة على الجدار! وإذا لم تكن المسألة مسألة إثبات وجود، ومحاولة لعب دور مخالف بحجة واهية، فما معنى الاجتثاث عِقب الانتخابات! وأغلب وجهاء الائتلافات التي ستشكل البرلمان الموعود، استنكرت الاجتثاث ضد المرشحين الفائزين، وعددهم اثنان وخمسون برلمانياً، وحتى ائتلاف دولة القانون، ظهر بعض أعضائه على الفضائيات مستنكرين تأزيم ما هو مأزوم! صرح من الائتلاف الوطني رئيس "المجلس الإسلامي الأعلى" عمار الحكيم، ناعتاً الممارسة بعدم الإنصاف، ومحاولة إقصاء، وبادرة خطيرة، وميزَّ بين المتورطين بالدماء، من النَّظام السابق، والفاعلين من السياسيين تحت راية الديمقراطية، مستغرباً أن يحصل هذا بعد إعلان النتائج بزمن. كذلك، من "المجلس الأعلى"، تحدث نائب رئيس الجمهورية عادل عبد المهدي مديناً الاجتثاث، وأن يحدث معوقاً للمسار الجديد. ومن جانبه أدان الائتلاف الكُردستاني، ممثلاً بالنائب محمود عثمان، والنائب محسن السعدون، اللذين اعتبرا الاجتثاث ليس صحيحاً، فهؤلاء فازوا في الانتخابات بأصوات من الشعب العراقي. هذا، وتجد مَنْ لم يتضامن مع المجتثين تضامن مع المصوتين لهم، فما ذنبهم حتى تلغى المقاعد التي تمثلهم في البرلمان! سيضاف نحت المجتثين إلى المُؤَنفَلين، نسبة إلى عمليات الأنفال، وما هو معلوم أن للعراقيين الرِّيادةَ في نحت المصطلحات، مثلما كانت لهم الرَّيادة في اختراع الكتابة. أليس نحات العربية بصريين وكوفيين! ومبدعو الفرق الكلامية والفقهية عراقيين! بشهادة ابن أبي الحديد (ت 656 هـ): "طينة العراق ما زالت تنبت أرباب الأهواء، وأصحاب النِّحل العجيبة، والمذاهب البديعة..." (شرح نهج البلاغة). لكن لكلِّ زمان رجاله واختراعاته ونحوته! عُرف العراق بالبستان، بما تحت أرضه وما فوقها، يحتاج مَنْ يتولى أمره إلى معرفة وتجاوز للأنانيات، لا يضع أمامه خزائنه وعرشه هدفاً، كائن مَنْ كان. إنه بستان من القِدم، وهو مازال كذلك، وسبق أن قيل: "إنما هذا السواد بستان قريش"(الطبري، تاريخ الأمم والملوك). وكم حذر صاحب المونولوج السياسي عزيز علي (ت 1998)، بصوته الشجي: "يا جماعة والنَّبي إحنا عدنه بستان..!". قالها ورمي في السجن. وها هو مَنْ يقولها اليوم يُتهم ويهدد، وكأنه لم يقض زهرة العمر متوارياً من ظلم وجور السابقين! هناك لعبة خطيرة تجري، حول هذا البستان، لصالح الفاسدين من القائمين على المال العام، والقاعدة المتسلطة على الدماء، وبقية الكائنات الشريرة، وأرجو ألا تقتل نشوة الانتصار بقتل البغدادي والمصري، وتسليم رهط من أصحابهما، الحذر وتلغي البحث عن أسباب المصالحة! لقد سمعت مستشار رئاسة الوزراء الإعلامي، يقول: إن هناك ضباطاً بعثيين يديرون الإرهاب! أظن أنه لابد من هؤلاء الضابط المقصودين، مَنْ أوصلتموه إلى الذِّل بالوقوف أياماً وليالي، أشعث الشعر مغبر الوجه، لعله يحصل على جزء من راتبه، مصلوباً خلف قضبان قصوركم في الخضراء، وهو لا يملك صبر أيوب، ولا حكمة لقمان حتى تريدونه ينتظر النَّوال! إن رجلاً بيده السلاح، وجماعات تنتظره، ودول تمده، لا أراه إلا كسَّوارِ بن المُضرَّب، وهو أحد المطلوبين للحجاج بن يوسف الثقفي (ت 95 هـ)، حين أرتجز: "أيرجو بنو مروانَ سمعي وطاعتي.. وقَومي تميم والفَلاة ورائيا" (الكامل في اللغة والأدب). و"ليس يُلام هاربٌ من حَتفه" (مجمع الأمثال). فبين الفينة والفينة يظهر مدير المساءلة التنفيذي، ويخرج سجله ليحكم بين النَّاس! ولا ندري مَنْ هو، وما مستواه القانوني، وما مستوى ثقة النَّاس به! ولو كانت هناك ثقة به أو بمَنْ يدفعه لمنحا الثقة عبر صناديق الانتخاب! ها أنتم تحدثتم وتتحدثون عن المصالحة لسبع سنوات، ومن على سدة الحكم، فماذا قدمتم لها! ليس سوى رفع سيف الاجتثاث على كل مَنْ ترون فيه إمكانية المنافسة! وشتم النَّظام السابق، وكأنكم ما شبعتم من شتمه لثلاثين سنة في المعارضة، فاللهج بثلبه، وتكريس الكراهية، ضد مَنْ عمل في أجهزته، من دون طرح البديل، لا يمنع عودته! حكماء الاجتثاث يعلمون أن ما يسمى هيئة العدالة والمساءلة ليست شرعية، فالبرلمان السابق لم يصوت عليها، فكيف أخذت تجتث المنتخبين! يُصر على الاجتثاث، مع أن المحاكمات جارية للمتهمين فعلاً، والمحاكم تفصل في أمرهم، فعلام تُنصب هذه الهيئة الشبيهة بالمحاكم الثورية غير العادلة! أرى الاجتثاث الأخير مدفوعاً بعدة عوامل، ولا يغيب العامل الشخصي، ولا نستبق الحوادث فستسمى الأشياء بأسمائها، لكن الواضح هو أن هناك خلافاً شخصياً شديداً، وكأنه نوع من المبارزة، يبدو الطرف الغارق في الكراهية وتحسين ممارسة الاجتثاث لا يميز بين الوطني والشخصي، ولا بين الانتقام من الآلاف والانتقام من خصم واحد! وعليه، فلابد للأطراف الحريصة على التجربة السياسية، والحريصة على دماء العراقيين، الأطراف التي يهمها بالفعل تجنب الكوارث، أن تنظر ملياً في تلك الألاعيب، فإنها ستأتي عليهم، وسيطولهم الاجتثاث من جديد، لكن بطرق أُخر، ليس بالضرورة يصدر من جهاز حُنَيْنٍ، مثلما هي ذراع السلطة السابقة، ولا بمؤسسة تتستر وراء مصطلح العدالة النبيل! ربما سيندفع النَّاس آجلاً أم عاجلاً، ولن تمنعها بوابات الخضراء المحصنة! من العيب أن تُمزق هذه التجربة الموعودة، وها أنتم تمدون القاعدة وعصابات القتلة بأفواج من المجتثين، وتقدمون للعراقيين برهاناً أن الديمقراطية، التي تتطلبونها، واجهة لأمر آخر، حتى بدأوا يسأمون من مفردة النَّظام الصدامي! دعوا الطبال يأخذ عصاه، وبادروا إلى إنهاء المهزلة بحل هذه المؤسسة السيئة، فالمفردة، مهما تبدلت عناوينها، ليست جديرة بالعراق الجديد، مثلما تدعون!