- عشية انعقاد القمة الخليجية الثلاثين بدولة الكويت في ديسمبر الماضي، تداعى مفكرون وناشطون خليجيون وأصدروا بياناً لمؤتمرهم الموازي للقمة الخليجية. ويعتبر ذلك البيان هو التحرك الثالث لمؤسسات المجتمع المدني في الخليج، حيث تم إصدار بيانين للمؤتمر الموازي لكل من قمة مسقط وقمة الدوحة. وكان مما طالب به البيان: دعم الحريات الفردية والعامة، واعتبار المواطنة معياراً يضمن التكامل والحقوق والواجبات وصيانة حقوق الإنسان؛ التي نص عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. كما طالب البيان بإتاحة الفرصة أمام مؤسسات المجتمع المدني لممارسة دورها الرقابي دون أي تدخلات، وفتح المجال أمام وسائل الإعلام والصحافة كونها قنوات للتعبير الحر، وذلك من أجل تحقيق المواطنة وتعزيز دولة المؤسسات وحكم القانون، في ظل نظام حكم يستند إلى دعم الشعب ويستمد منه الشرعية باعتبار كل ذلك ضماناً للاستقرار والتطور. وأشاد البيان بجهود دول مجلس التعاون نحو التلاحم وإقامة المشاريع المشتركة ومنها: الربط الكهربائي، وسكة الحديد، والسوق الخليجية المشتركة، والمحافظة على البيئة والأمن الغذائي، واحتواء الآثار والتداعيات المترتبة على ظروف الأزمة الاقتصادية العالمية على دول المجلس. وعبّر البيان عن اعتزاز مثقفي وناشطي الخليج بمسيرة مجلس التعاون، باعتبارها من التجارب الوحيدة التي صمدت ضمن التجارب التقاربية العربية، متطلعين إلى استجابة المجلس لدعم المشاركة الشعبية الخليجية من خلال ممثلي مؤسسات المجتمع المدني في القرارات التي تخص المستقبل. ولقد قام ناشطون خليجيون بتسليم نسخة من البيان -بعد قمة الكويت- إلى معالي الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية الأستاذ عبدالرحمن بن حمد العطية. واليوم، وبعد أن قارب عمر المجلس الثلاثين، وقاربت أعمار مواطني دول المجلس ممن عاصروا الاستقلال أكثر من الستين عاماً، يمكن القول إن التجربة قد نضجت وإن الشعوب أصبحت مؤهلة لمواكبة وخدمة المسارات، ولذا فإن الحاجة ربما تكون قد أصبحت ملحة لدراسة نقاط البيان المذكور! والتعرف على نقاطه الإيجابية، التي قد لا تختلف عن التوجهات العامة للدول، لأنها تنادي بتفعيل مؤسسات المجتمع المدني والمشاركة في الإدارة وضمان حقوق الإنسان في مجتمع يقوم على التكافل والتآلف. إن شعوب الخليج، في نظري، تعتبر من الشعوب التي لا تدخل في مدارات العنف أو المشاغبة الإعلامية أو تلك التي تحرج الدولة بالبيانات المدعومة من الخارج أو تلك المؤدلجة. كما أن هذه الشعوب قد تصالحت مع نفسها ومع أنظمة الحكم لأكثر من مئة عام. وقبلت بالخصوصية التي يفرضها النظام الاجتماعي والسياسي، وتعاملت معه بإيجابية ومحبة، وما موقف مواطني دولة الكويت عام 1990 إلا نموذج حي لتلك العلاقة؟ كما أن بعض المواثيق الدولية التي وقعتها دول المجلس تقتضي أن يكون لمؤسسات المجتمع المدني دورها في خدمة الشأن العام، وأن يرتفع سقف التطلعات أكثر مما هو واقع فعلاً! كما أن مؤسسات حقوق الإنسان والمجتمع المدني الدولية ستنتقد هذه الدول إن تراخت أو لم تطبق تلك الاتفاقيات، أو لم تعدل تشريعاتها التي تختص بحقوق الإنسان والحريات بصفة عامة. ولذلك، فإننا نرى أنه من الأهمية بمكان أن يُفسح المجال لمؤسسات المجتمع المدني -في دول مجلس التعاون- كي تمارس دورها دون تجاوزات أو رقابة زائدة، وأن تقوم الدول بتعديل بعض التشريعات التي تحد من عمل مؤسسات المجتمع المدني، وتزيل "اللغط" الحاصل في التعامل مع مصطلح "المجتمع المدني" الذي يستخدمه بعض الموظفين ويطلقونه على مؤسساتهم شبه الرسمية. والأمل -كما أشرنا في مقال سابق- أن تنشأ إدارة خاصة بحقوق الإنسان والمجتمع المدني في الأمانة العامة لمجلس التعاون؛ حيث ستكون تلك الإدارة حافزاً للدول في أن تنشئ إدارات مماثلة محلية -إن لم تكن موجودة فعلاً- كي تساعدها ليس في الرد على النقد الدولي الخاص بحقوق الإنسان، إن حدث، بل في فتح آفاق التعاون بين المؤسسات الرسمية وتلك المؤسسات الأهلية؛ وضمان أن تكون البيانات الصادرة عن الجهات المختصة موثوقة وتحظى بالمصداقية والدعم الدولي. لقد تراجع حماس العديد من النشطاء الخليجيين تجاه تحقق بعض الإصلاحات السياسية، وباتوا يتغيبون عن المنتديات الخاصة بهذا الموضوع، على إثر تقادم العهد، وعلى إثر بقاء موضوع الإصلاحات معلقاً، وصورته غير واضحة في المزاج العام. ونأمل أن تدرس الجهات المختصة مستقبل العلاقة بين مؤسسات الحكم في الخليج والعمل الاجتماعي! فتلك الدراسة كفيلة بتوثيق العلاقة، وتجنيب المنطقة الآثار السلبية التي تكتنف بقية المنطقة. إن عدم وجود طرق جاذبة أمام الشباب لتحقيق فرص العمل المناسبة، في بعض الدول، قد يدفع بعض أفراده إلى الجماعات المتطرفة. كما أن الحقوق المدنية كفلتها الدساتير في دول المجلس، ولا ينبغي لبعض القوانين أن تحرف معانيها أو تقيّدها. ولذلك، فنحن مع دراسة تقوية أواصر العلاقة والشراكة بين مؤسسات الحكم والمجتمع المدني وإنسان المنطقة بصفة عامة. لأن في ذلك مصلحة لكافة الأطراف، ولأنه يحقق قيم (المواطنية) الصالحة ويدعم جهود ترسيخ الحكم الرشيد.