أعلنت وزيرة الخارجية الأميركية يوم الجمعة الماضي أن المفاوضات "غير المباشرة" بين الإسرائيليين والفلسطينيين سوف تبدأ في الأسبوع القادم، وطالبت الدول العربية بدعم الرئيس الفلسطيني. وكانت تقارير صحفية استبقت تصريحات كلينتون قد أشارت إلى انفراجة حدثت في نهاية الجولة الأخيرة في المنطقة التي قام بها ميتشل مبعوث الرئيس الأميركي. وكنت قد ناقشت في المقالة السابقة الأسباب الإسرائيلية والأميركية التي تبرر التنبؤ بعقم هذه المفاوضات المنتظرة، غير أن ثمة أسباباً فلسطينية وأخرى عربية تعزز للأسف هذا التنبؤ. يدخل الفلسطينيون هذه المفاوضات -إن جرت- برؤية واضحة بتنا نحفظها عن ظهر قلب: الهدف الاستراتيجي من المفاوضات هو إقامة دولة فلسطينية على أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة عاصمتها القدس الشرقية، وفي مقابل هذه الرؤية التي تستعيد جزئياً بعضاً من الحقوق الفلسطينية يتمثل العرض الإسرائيلي المتاح في دولة على حوالي نصف أراضي الضفة بالإضافة إلى قطاع غزة بحدود مؤقتة، مع التأكيد على أن القدس الموحدة هي العاصمة الأبدية لدولة إسرائيل، ولاشك في جدية الإسرائيليين في هذا الموقف! إما لأن ثمة ما يشبه الإجماع بينهم عليه، وبصفة خاصة فيما يتعلق بالقدس، وإما لأن الحكومة الإسرائيلية اليمينية الحالية هي واحدة من أشد الحكومات تطرفاً -إن لم تكن أشدها- في تاريخ إسرائيل. ولا يمكن لأي مفاوضات أن تنجح ما لم يتم عبور هذه الفجوة الهائلة، ولكي يحدث ذلك تفيدنا أبجديات التفاوض باستحالة هذا العبور ما لم يكن هناك ميزان قوى متكافئ -ولو نسبيّاً- أو بعبارة أخرى فإن القدرة على عبور الفجوة تتناسب طرديّاً مع درجة التكافؤ في ميزان القوى، بمعنى أنه كلما زاد هذا التكافؤ زادت القدرة والعكس صحيح، فكلما قل التكافؤ تضاءل احتمال نجاح المفاوضات أصلاً، اللهم إلا إذا كان الطرف الأضعف سيقبل بأن تملى عليه شروط بالغة الإجحاف. وبالتطبيق على المفاوضات الإسرائيلية- الفلسطينية المتوقعة نجد أن لدينا ميزان قوى شديد الاختلال لصالح إسرائيل، وفي كافة خبرات التحرر الوطني المعاصرة لا يتجه هذا الميزان نحو الاعتدال تدريجيّاً إلا بفعل مقاومة الاحتلال، وقد أصبحت المقاومة الفلسطينية بشقيها العسكري والمدني في وضع لا يمكنها من إحداث أي تصحيح لاختلال ميزان القوى بينها وبين إسرائيل، فقد صارت حركة "فتح" صاحبة الريادة في مقاومة المشروع الصهيوني على أرض فلسطين "سلطة حاكمة" بعد اتفاقية أوسلو 1993، وتحول مقاتلوها إلى "شرطة" تضبط الأمن داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد 1967، بما في ذلك الحيلولة دون مقاومة الاحتلال، على أساس أن ثمة "عملية سياسية" في سبيلها إلى استرداد الحقوق، وظلت "حماس" ترفض هذا النهج حتى ولجت فيه بدورها بدخولها الانتخابات التشريعية في 2006 وفوزها بالأغلبية فيها ومن ثم تشكيلها حكومة بديلة عن حكومة "فتح"، وسرعان ما بدأ الصراع بين الحركتين في واحد من أكثر مشاهد نكبة فلسطين مأساوية إلى أن وصل الأمر إلى الصدام المسلح في2007، وهو ما أفضى بدوره إلى اكتساء الصراع بينهما "ثوباً جغرافيّاً" فصارت "حماس" هي المتحكمة في قطاع غزة تحت راية الأغلبية البرلمانية، فيما تتحكم "فتح" في الضفة الغربية في ظل رئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية، وأخفقت كل محاولات الصلح بينهما حتى الآن، وإيمان "فتح" وبالذات قائدها بأنه لا سبيل سوى التفاوض مع إسرائيل، وكانت مقاومة الاحتلال ضحية لهذا كله. والأمَر من ذلك أن الفلسطينيين سيدخلون هذه المفاوضات المتوقعة غير موحدين، ولنفترض جدلاً ذلك الافتراض المستحيل أنها سوف تنجح في التوصل إلى تسوية ما، فكيف تفرض نتائجها على قطاع غزة الخارج عن سيطرة رئاسة السلطة الفلسطينية؟ وقد يعني هذا السؤال أن ثمة خللاً في الأولويات الفلسطينية والعربية، بمعنى أن الخطوة الأولى الصحيحة كان من الواجب أن تتمثل في رأب الصدع الفلسطيني الداخلي، وإعادة اللحمة إلى الوحدة الفلسطينية وليس في دخول مفاوضات قد لا تسمن ولن تغني من جوع. وفي هذه الظروف يصبح التساؤل مشروعاً: هل يمكن للعرب أن يتقدموا لتصحيح هذا الخلل في النهج والأولويات؟ تبدو الإجابة محبطة إلى حد بعيد لأنهم بدورهم منقسمون في هذا الصدد، فمنهم من يريد تحقيق المصالحة الفلسطينية ولكنه غير قادر على إنجازها إما لأن الخلاف مستحكم بين "فتح" و"حماس"، وإما لشك في حيْدة الوسيط، وإما لأن هناك من يخرب جهوده. ومنهم من يجد في استمرار الصراع بين الفصيلين الفلسطينيين الرئيسيين أمراً طبيعيّاً، ومنهم من لا يأبه للمسألة أصلاً. فهل يمكن للعرب كطريق بديلة أن يتصدوا لتصحيح الخلل مباشرة -أي فيما يتعلق بإنقاذ جهود التسوية- طالما أنهم غير قادرين على إنجاز مصالحة فلسطينية لاشك في أنه سيكون لها مردودها الإيجابي على الوضع الفلسطيني؟ هنا نجد أن الوسيلة الوحيدة التي درج عليها العرب هي "أن يضعوا العالم أمام مسؤولياته"، وكأنه لا مسؤولية عليهم في هذا الصدد، وتترجم هذه الوسيلة عادة في اللجوء إلى مجلس الأمن كلما ضاقت بهم السبل حيث يقف "الفيتو" الأميركي على الأقل بالمرصاد لأي قرار فيه شبهة إنصاف للفلسطينيين، فإن أغمدت الدبلوماسية الأميركية سيف "الفيتو" كان معنى هذا أننا بسبيلنا إلى قرار مائع، ولا يحقق أية نقلة إلى الأمام. وعندما يشتد غضب العرب فإنهم يلجؤون إلى "الجمعية العامة" أو يهددون بذلك حيث الساحة مهيأة لاستصدار قرارات تنتصر للحقوق الفلسطينية ولكن دون أدنى إمكانية لتنفيذها. سيدخل فريق من الفلسطينيين المفاوضات المقبلة إن جرت، وسيواجهون فيها بمواقف إسرائيلية قبيحة يعرفونها جيداً، ولا يمكنهم الادعاء بأنهم فوجئوا بها، وستنهار المفاوضات، ويُتهمون بأنهم هم المسؤولون بـ"تشددهم" عن هذا الانهيار، وقد يضطرون -وهذا هو الأسوأ- إلى القبول باتفاقيات مملاة تضيّع أو تميّع المزيد من حقوقهم. فعن أي سلام يتحدثون؟