دخل نقاب المرأة المسلمة التاريخ السياسي البلجيكي بصفته العنصر الوحيد الذي أمكن للأحزاب المتصارعة أن تتوحد في تصويت سريع لمنع ارتدائه، على رغم انهيار الحكومة واستقالتها، وهي الحكومة التي استغرق مخاض تشكيلها وقتاً قياسيّاً تفوق على الحكومات العراقية واللبنانية. الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي يعاني من شعبية هابطة ولا تزال تتآكل، وإذا به يجد في "البرقع" خشبة خلاص يمكن أن تعزز وضعه خصوصاً في الوسط اليميني الذي ينتمي إليه ولا ينفك يفقد ثقته. كان ساركوزي سبّاقاً في منع حجاب الرأس لتلميذات المدارس، مستنداً إلى فتوى علنية منحه إياها شيخ الأزهر الراحل محمد سيد طنطاوي، وها هو مندفع إلى تحريم النقاب ليصبح ساريّاً في فرنسا، حتى قبل بلجيكا حيث يحتاج القانون البرلماني إلى مصادقة من مجلس الشيوخ، وهي ستنتظر إلى الخريف على الأرجح. عمليّاً أصبحت أوروبا في حرب على النقاب، ولن تلبث إيطاليا وهولندا أن تلحقا بالركب الفرنسي- البلجيكي باكراً، وليس مستبعداً أن يطرح صراحة وجديّاً في بريطانيا بعد الانتخابات، أما في البلدان الأخرى فيوشك النقاش أن ينضج لتأخذ خلاصاته طريقها إلى البرلمانات. كان مجلس الدولة في فرنسا حذر الحكومة، من موقعه كأعلى مرجعية دستورية، من أن منع الحجاب يمكن أن يتحول إلى صراع قضائي، أولاً لأنه ينطوي على شبهة انتهاك للدستور، واحترامه للحريات، وثانياً لأنه يشكل بوضوح انتهاكاً للمعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان. مع ذلك ارتأت الحكومة أن تمضي قدماً في تشريع منع النقاب، تحديداً من أجل صون حقوق المرأة التي يعتقدون في الغرب أنها تتنقب مجبرة لا مخيَّرة. هناك طبعاً نساء مستعدات للدفاع علناً عن نقاب ارتدينه بكامل إرادتهن وحريتهن، وهناك داعيات يمارسن التنظير والإفتاء بحسنات النقاب. حسن، لكن يصعب إقناع المجتمع الأوروبي في السنة 2010 بأن حجب وجه المرأة هو فرض من فروض الإسلام أو أنه بات من حقوق الإنسان المعترف بها دوليّاً. في أي حال لم يدخل الفرنسي أو البلجيكي في نقاش فقهي مع الإسلام، وإنما قررا أن ثمة ظاهرة منفّرة في المجتمع لا يريدان لها أن تنتشر. كان يمكن التفكير في استفتاء على الطريقة السويسرية بالنسبة إلى المآذن، لكن ما الداعي لاستنفار الناخبين في مسألة هي عين البداهة، فضلاً عن أن نقل الإشكال إلى المستوى الشعبي من شأنه أن يدفعه في متاهات أخرى أكثر ارتباطاً بالتعصبات الدينية. يتلاقى الجدل الأوروبي على النقاب مع جدل عربي على الاختلاط. الفارق أن الأول يدور بين سياسيين ومشرّعين، أما الثاني فيتمحور حصريّاً حول صراع بين رجال دين يشاركهم فيه أصحاب الرأي من موقعي التأييد أو التنديد، وينأى رجال الدولة والسياسة بأنفسهم عن الخلاف طالما أن من غير الوارد إصدار تشريع يجيز الاختلاط أو يحرمه، فكل ما ينتمي إلى المنطقة الدينية المحرمة متروك للزمن ليغيرّه أو يثبته. أما الفارق الآخر، والأهم، بين الجدلين فنجده في النظرة إلى المرأة، ففيما عارضت "أمنستي أنترناسيونال" الحظر البلجيكي لأنه "ينتهك حقوق التعبير والمعتقد للنساء اللواتي يتنقبن للتعبير عن هويتهن ومعتقداتهن"، فإن معارضي الاختلاط لا يهجسون بهذه الحقوق لأن المرأة عندهم منقبة ومعزولة، وبالتالي فلا أهمية لتعبيرها عن هوية أو معتقد. هناك دافع أمني يحكم رؤية وجه الشخص لتحديد هويته، وطالما أن الحرب على الإرهاب جعلت صوت الأمن يعلو على أي صوت هذه الأيام، فقد تحول النقاب فصلاً جانبيّاً من تلك الحرب على المتطرفين. وفي هذه الحرب كما في غيرها وُضعت الحريات بين قوسين. والمتعارف عليه أن رجال الدين المحترمين أفتوا للمسلمين بأن يراعوا المجتمعات التي يرتادونها في المهاجر، لكن مدّعي التفقه والإفتاء في زمن "القاعدة" وأخواتها يعتبرون أنفسهم، بفضل الفضائيات، الناطقين الجدد باسم الإسلام، ولا يرضون بأقل من إخضاع مجتمعات الغرب للتقاليد البالية التي في رؤوسهم. هؤلاء لم يسيئوا للمرأة المسلمة فحسب، وإنما لجميع المسلمين.