يسرد جابريل جارسيا ماركيز أحداث "موت معلن" في رواية تحمل ذات التسمية، كان موتاً معلناً لأن كل أهل القرية كانوا يعلمون، لقد علموا وشهدوا جريمة القتل بتفاصيلها المفجعة، مقتل الشاب سانتياغو نصار على يد التوأمين بيكاريو بيدرو وبابلو أخوي أنجلينا بكاريو أجمل فتاة في القرية دفاعاً عن شرفهما كما يظهر في سياق الرواية. لقد طافا في أنحاء القرية حاملين سكينين كبيرتين معلنين للجميع نيتهما قتل نصار، إلا أن أهل القرية لم يحركوا ساكناً، فقد امتلك الأخوان حقاً طبيعيّاً بالدفاع عن شرفهما ومحاولة غسل العار الذي لحق بعائلتهما بدم سانتياغو، كل ذلك ولم يحذره أو يخبره أحد عن مصيره المنتظر، ولم يسمع دفاعه ولم يعترف بجرمه إلى أن قتل على يد الأخوين بيكاريو في ساحة القرية أمام منزله وعلى مرأى من الجميع في وضح النهار. سرد أحداث "موت معلن" تتمحور أحداثها حول الشرف والثأر والانتقام والحقيقة تسطع في ضوء النهار بأن أهل القرية لم يحركوا ساكناً لإنقاذ الشاب، هل كان مذنباً؟ هل كان بريئاً؟ لا يهم، فالمجتمع يتقبل ضمنيّاً غسل العار، يتقبل هذا القدر من العنف ويبرره، فالجريمة، وكما تقول الرواية، ما كان لها أن تقع لولا إحجام الناس عن دفعها، ففي الفصل الأخير يقول "ماركيز": "إن كل ما جرى اعتباراً من هذه اللحظة كان بفعل الإِحجام العام". في مقاربة واقعية لرواية ماركيز شهدت قرية لبنانية اسمها "كاترمايا" مأساة مزدوجة، المأساة الأولى كانت جريمة قتل بشعة راح ضحيتها أربعة أفراد لعائلة واحدة، الجدان وحفيدتاهما البالغتان من العمر سبعة وتسعة أعوام، بعد أن عثر عليهم مقتولين بطعنات سكين. السلطات اللبنانية أعلنت القبض على من تشتبه بارتكابه للجريمة المصري محمد سليم مسلم، وفيما التحقيقات جارية، وجمع الأدلة، جاءت اعترافات المتهم، وحتى تتطابق الوقائع أعادت قوات الأمن المتهم إلى مسرح الجريمة لإعادة تمثيلها، إلا أن أهالي القرية المفجوعين بالجريمة الغاضبين، وفي لحظة بؤس جماعي، في لحظة ينتفي فيها الصواب والخطأ، يتساوى القاتل مع الضحية، هجمت الجموع على رجال الشرطة لتظفر بالمتهم القاتل وتحقق العدالة على طريقتها في مشهد صادم لعملية إعدام علنية تلاها تمثيل بالجثة، فيما الجماهير المتجمهرة تصور بأجهزة الهاتف وسط هتافات بالله أكبر وزغردات فرح، ليعلق في ساحة القرية ولمدة تزيد عن عشرين دقيقة فيما قوات الأمن عاجزة عن الفعل. هل تبرر بشاعة الجريمة ونكبة أهالي القرية أحداث الموت المعلن للمتهم، فالمتهم لا زال في خانة "البريء" بحكم القانون، فلم تثبت إدانته بحكم محكمة نهائي، فهل ما حدث في تلك القرية مؤشر على مكانة القانون ورجال القانون؟ ومتى فقدت العدالة إنصافها حتى لا يلجأ إليها الضحايا بدلا من اللجوء لعدالة الشارع وللاقتصاص الآني؟ إن ما حصل هناك لمؤشر خطير على افتقاد الجماهير الثقة بأن القانون سينصفها، وأن ترجمة العدالة على الأرض كانت بيد منفذي حفلة القتل الجماعية، فهي البديل الواقعي لمفهوم العدالة كما يراها أهالي القرية الغاصبة. إنها التجسيد الواقعي لشريعة الغاب حين تغيب العدالة وتصدر الأحكام وتنفذ دون الرجوع للقضاء أو لسلطة القانون أو لسلطة الدولة. عنف كامن في الجماهير تفجر في قتل ونحر وسحل، فعل ثأر جماعي، انتقام لجريمة لا تقل بشاعة عنها فاجعة لأسرة ولقرية، لكن في المقابل ما من تبرير منطقي لحفلة القتل الجماعية التي بدت ممتعة للجماهير بتفاصيلها المتناقلة عبر كاميرات الهواتف المحمولة، كانت حفلة هتك للقانون وانتهاك للعدالة. Summary محمود