الحرب عادة ما تكون خدعة، وفي معظم الأحيان تكون مفاجئة. ولكن المتابع الآن للمشهد الإقليمي الممتد من جبال أفغانستان في الشرق إلى حوض المتوسط في الغرب لا يملك سوى أن يستنتج أن الأسوأ قادم، وأن مشاريع وسيناريوهات حروب يتم الإعداد لها قد يتحقق أحدها أو أكثر. وهذا يعني أن صيف هذا العام سيكون أكثر سخونة في أكثر من جبهة، على إيقاع حمى تصفيات كأس العالم لكرة القدم، والانهماك الأوروبي والدولي في إنقاذ اليونان من أزمتها المالية. وما يزيد من دواعي التشاؤم تجاه سيناريو الحرب هذا الصيف هو ارتفاع نبرة ووتيرة التهديد والوعيد، وكون المشهد تتقدمه الآن خطابة توازن الرعب والتهديد بتدمير المدن والحجَر والبشر والبنى التحتية، وإعادة الدول إلى العصر الحجري، وقطع الأرجل، في مقابل تراجع فرص السلام وسط جمود قاتم متفاقم يهدد بالانفجار، وخاصة مع تحذيرات العاهل الأردني من أن "بديل السلام هو المزيد من الصراع والحروب والمعاناة. الوضع الراهن غير مقبول، وإذا لم ننجح في تحقيق التقدم المطلوب في المفاوضات أخشى أن التوتر القائم سينفجر وسيدفع الجميع ثمن ذلك". وأضاف أيضاً إلى جدية الأوضاع نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الكويتي حيث قدم من واشنطن تقييماً واقعيّاً مؤداه أن أحوال المنطقة ليست إيجابية وتدعو للقلق. وإذا استعرضنا التصريحات والتهديدات التي تخرج ممن يعنيهم الأمر فإن الصورة تبدو أكثر قتامة أيضاً. فأمين عام "حزب الله" توعد بالرد مقابل كل بناء تسقطه إسرائيل في بيروت بإسقاط الحزب أبنية في تل أبيب. وكذلك تهديد نتنياهو بإعادة سوريا إلى العصر الحجري بسبب اتهامات إسرائيلية لها بتزويد "حزب الله" بصواريخ "سكود"، وقد جابهه رد من وزير الخارجية السوري بأن المدن الإسرائيلية ستكون مكشوفة، وزاد عليه نائب الرئيس الإيراني الزائر بأن إيران ستقطع أرجل إسرائيل إذا اعتدت على سوريا. ولاشك أن مؤشر المخاوف من مواجهة مقبلة يرتفع أيضاً مع تحذيرات وزيرة الخارجية الأميركية من خطر اندلاع حرب إقليمية بسبب عواقب تزويد سوريا لـ"حزب الله" بـ"سكود"، وزادت بأن قرارات القيادة السورية -وليس الإسرائيلية- يمكن أن تعني الحرب أو السلام في المنطقة. كما هدد ضابط إسرائيلي كبير بأن لحظة الرد الإسرائيلي على "حزب الله" تقترب. وإذا أضفنا إلى كل ذلك الصخب زيارات وجولات الموفدين العديدين من الدول الغربية إلى المنطقة، وزيارات الموفدين والمسؤولين العرب إلى الغرب، ربما لمنع شيء ما أو التحذير من شيء ما، يكتمل المشهد المتشائم الذي لا يترك المجال للكثير من التفاؤل. وقد يكون أبرز مقياس حقيقي لارتفاع مؤشرات التوتر هو العجز، بل الفشل، في تحريك مسارات التسوية في المنطقة على رغم حديث الإدارة الأميركية عن قرب استئناف المفاوضات غير المباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وما بات واضحاً، على كل حال، هو فشل الدبلوماسية وتراجع الدور الأميركي، ما أدى إلى شعور بالإحباط لدى الطرف العربي الذي ما فتئ يعبر عن خيبة أمله من خلال التصريحات والتحذيرات وإسداء النصح للإدارة الأميركية بالضغط الجدي على الحكومة الإسرائيلية. ولذا فإن فشل اللجنة الرباعية وخاصة واشنطن في تحريك عملية السلام، وهي الراعي الرئيسي لها، يُضاف إلى العجز عن تحقيق انتصار واضح في الحرب في أفغانستان مع تحذير الجنرال بترايوس من صيف ساخن في قندهار معقل "طالبان". ومع عودة العراق إلى المربع الأول بعد تحذير المالكي من وجود مشروع إقليمي ودولي لإحداث انقلاب في العراق عبر صناديق الاقتراع بسبب تحركات رئيس كتلة "العراقية" إياد علاوي ضد إعادة الفرز في بغداد، الذي يُنذر باستقطاب واصطفاف خطير يطيح بالوضع الأمني الهش في بلاد الرافدين. ولا ننسى أيضاً بقاء النار تحت الرماد في اليمن وسط مخاوف من اندلاع حرب سابعة مع الحوثيين هناك. ووسط كل هذا الجو المتلبد المشحون قد تبدو شرارة الحرب على أنها هي الحل والمخرج الوحيد لتنفيس هذا الاحتقان القاتل الذي يُنذر بانفجار ما، في مكان ما، ضمن مشهد شديد التوتر على أكثر من جبهة ومكان. وما سيحدث خلال الأشهر القليلة القادمة قد يرسم واقعاً مؤلماً وجديداً يعيد ترتيب الكثير من الأوضاع والترتيبات في منطقة ما زالت مستمرة في مفاجأة الجميع بتناسخ أحداثها ولاعبيها وأزماتها، خاصة إذا ما فشلت الدبلوماسية وانفجر أحد سيناريوهات حرب مدمرة، لن تفاجئنا أبداً لكثرة الحديث عنها، مع أن معظمنا لا يرغب فيها، بطبيعة الحال!