بعد أكثر من أسبوعين على حالة الجدل الساخن التي شملت كافة الصحف والقنوات التلفزيونية المصرية، حول دعوة نائب برلماني لإطلاق النار على المتظاهرين، بدت ملامح انتصار مبادئ حقوق الإنسان تحتل المشهد. لقد أثار عضو مجلس الشعب نشأت القصاص ثائرة منظمات حقوق الإنسان والكتاب والمفكرين عندما وقف تحت قبة البرلمان يلوم وزير الداخلية على حنيته في التعامل مع المتظاهرين الذين خرجوا في السادس من أبريل، وبعدها بأيام للمطالبة بإصلاحات سياسية. لقد نشرت الصحف عدة صيغ للعبارات التي أطلقها النائب البرلماني، فبعضها أفاد أن نص العبارات كان "اطلقوا النار على المتظاهرين الخارجين على القانون"، وبعضها أفاد أن النص كان يطالب بإطلاق الرصاص على المتظاهرين سواء خرجوا على القانون أم لا. لقد ظهر النائب نفسه في عدة قنوات فضائية ليؤكد أن الصيغة التي استخدمها كانت منضبطة، وتدعو إلى إطلاق النار على الخارجين على القانون بين المتظاهرين، وليس على كل المتظاهرين. عندما واجهته قنوات التلفزيون بأن التظاهر حق يكفله الدستور المصري لجميع المصريين باعتباره أحد وسائل التعبير عن الرأي، أكد النائب أنه يعرف الدستور جيداً وأنه غير مستعد لمخالفته، ولذا فإنه يؤيد حق التظاهر، لكن اعتراضه ينصب على الخروج على القانون واللجوء إلى التخريب أثناء التظاهر. تحت الضغوط المتواصلة من الرأي العام، والتي راحت تدين الحزب الوطني الحاكم، كله بحكم انتماء النائب المذكور إلى الهيئة البرلمانية للحزب، خرج الأمين العام للحزب ورئيس مجلس الشورى، ليعلن رفضه لتصريحات النائب ويقول إنها لا تعبر من قريب أو بعيد عن رأي الحزب. وعندما اشتد ضغط الرأي العام أكثر فأكثر، أعلن رئيس مجلس الشعب الذي ينتمي إليه النائب أنه قرر تشكيل لجنة لتفريغ الأشرطة التي تحدث فيها النائب، وعقدت اللجنة التشريعية بالمجلس جلسة خاصة للإطلاع على النصوص الدقيقة، وكانت المفاجأة الكبرى مذهلة للجميع، فقد تبين أن عبارات النائب كانت على النحو التالي: "لو افترضنا أن الداخلية أعطت لك تصريحاً بمظاهرة ورأت أثناءها أن هناك خطراً على الأمن يا أخي اعدم... اعدم بلاش خراطيم المياه دي.. اضرب بالنار على طول...". في ضوء هذا النص العاري من أي رتوش، والذي يطالب بإعدام المتظاهرين وينكر عليهم حقهم الدستوري في التظاهر ويعتبرهم جميعاً خارجين على القانون، انطلقت قيادات الحزب الحاكم بالنقد اللاذع ضد النائب الذي ظن أنه يقدم خدمة عظيمة للحزب، فكان مثل الدب الذي قتل صاحبه. فقد قال الدكتور سرور رئيس مجلس الشعب وهو أستاذ قانون إن النائب خالف الدستور والقانون بدعوته وزارة الداخلية إلى إعدام المتظاهرين، وأضاف أن النائب مدان، فالمتظاهرون ليسوا كلاباً ليطالب بإعدامهم. وقال الدكتور زكريا عزمي رئيس ديوان رئاسة الجمهورية وأحد قيادات الحزب الحاكم: ما جاء على لسان "القصاص" خطأ كبير في حق نفسه وفي حق البرلمان، لأنه حرض على قتل المتظاهرين، وأن الحزب ينتظر قرار مجلس الشعب حول الواقعة ليتخذ قراره حول عضوية النائب بالحزب. تقرير اللجنة التشريعية سيعرض على مجلس الشعب لاتخاذ قرار بشأن مصير النائب، ومن الواضح في ضوء الإدانة الشاملة التي وجهها جميع كتاب مصر إلى هذا النائب، أن حقوق الإنسان حققت انتصاراً واضحاً على منطق التعالي على الجماهير والدعوة إلى حرمانها من حقوقها الدستورية. Summary محمود