فرنسا تتبنى خطابة "واقعية" تجاه الصين... وبريطانيا تدخل مرحلة عدم اليقين! خطابة جديدة في زيارة ساركوزي للصين، ودواعي الاستياء الفرنسي من نتنياهو، وتحولات الحملة الانتخابية البريطانية، موضوعات ثلاثة استقطبت اهتمام كتاب افتتاحيات وأعمدة رأي الصحف الفرنسية. فرنسا والصين: زمن الواقعية تحت هذا العنوان نشرت صحيفة لوموند افتتاحية خصصتها لتحليل أبعاد زيارة ساركوزي هذا الأسبوع لبكين، مشيرة إلى أن هذه الزيارة مبررة وضرورية لطي صفحة التوتر السابق في العلاقات الفرنسية- الصينية، خاصة بعد الشد والجذب بين بكين وباريس بعدما وضع ساركوزي عودة الحوار مع "الدالاي لاما" شرطاً مسبقاً لحضوره افتتاح الألعاب الأولمبية في العاصمة الصينية، وهو شرط استفز غضب الصينيين حينها، وأدى، استطراداً، إلى حالة تصعيد بين الطرفين تواترت مظاهرها ومناسباتها باستمرار خلال السنتين الماضيتين. ولذا يبدو أن ساركوزي استخلص الدرس من تلك المرحلة حين تحدث، مساء الأربعاء الماضي، في كلمة بمناسبة المأدبة التي أقامها على شرفه مضيفوه الصينيون، مؤكداً أن "تبادل الاتهامات سلوك غير مثمر". وهذا يعني عمليّاً أن الرئيس الفرنسي توصل أخيراً إلى قناعة مؤداها أن الحكومة الصينية لا تقيم وزناً سوى لعلاقات القوى. ولا تريد سوى من يعاملونها بندية وتقدير، كما لا تطيق من أي كان أن يخبئ لها مفاجآت. والشاهد في كل هذا أن اللحظة الراهنة في علاقات الصين وفرنسا عنوانها الواقعية، والعمل بروح من التفهم والشراكة القابلة للاستدامة. وهذا شيء إيجابي في حد ذاته، تقول لوموند. وهو ما يعطي زيارة ساركوزي أهمية، وخاصة أنها استغرقت ثلاثة أيام كاملة، على عكس عادته المعهودة في الاكتفاء بالزيارات الخارجية الخاطفة. ولكن على رغم هذا ينبغي أيضاً عدم المبالغة في توقع اجتراح علاقات البلدين لإنجازات كبيرة في الأفق المنظور. ولعل مما يفيد هنا الإشارة إلى ما جاء في صحيفة "تشاينا ديلي" الناطقة بالإنجليزية، والموجهة أساساً لتوصيل رسائل من الصين للعالم الخارجي، فقد سجلت في افتتاحيتها ليوم 29 أبريل أن ساركوزي لم يستقبل "لا بمشاعر غضب، ولا بعلامات تحمس" في بكين، وهي عبارة تعني -من حيث لا تقول صراحة- إنه استقبل ببرود. وفيما يتعلق بالمصالح المتبادلة، تقول لوموند، إن الصين، التي افتتحت الآن معرض شنغهاي الهائل، تعول كثيراً على فرنسا لاحتواء مشاعر الاستياء الواسعة في الغرب إزاء صعودها الاقتصادي المتعاظم، وهي ذات المشاعر التي يخشى الصينيون أن تؤدي إلى ظهور ما سماه هوبير فيدرين "التحالف العالمي للمستائين" من الصين. أما فرنسا فتسعى بدورها لاستئلاف الصين واستمالتها ضمن التحضيرات المبكرة الجارية الآن لرئاسة ساركوزي لمجموعتي الـ8 والـ20 خلال السنة المقبلة 2011. وهذه النقطة الأخيرة من التحليل يتفق معها الكاتب بيير روسلين في افتتاحية صحيفة لوفيغارو التي اختار لها عنواناً يقول كل شيء في هذا الصدد: "رئاسة ساركوزي لـ«20» تمر من الصين". وقد ركز روسلين على جهود الرئيس الفرنسي المتعلقة بحشد الدعم لعقد مؤتمر "بريتون وودز" آخر العام المقبل، بهدف وضع قواعد جديدة للنظام المالي العالمي. ونظراً لقناعته بأهمية موقف الصين في هذا الصدد ذهب إلى هناك من الآن لإقناع بكين بأهمية أطروحته هذه التي تنظر إليها واشنطن بغير قليل من الشك. هذا إضافة إلى أن دور الصين مهم للغاية في إنجاح رئاسة ساركوزي لمجموعة الـ20 العام المقبل، وهي رئاسة يعلق عليها الكثير من الآمال كمنبر دولي، ورافعة سياسية ممكنة، ستفيده ضمن استعداداته لانتخابات 2012 الرئاسية الفرنسية. وأخيراً في افتتاحية أخرى كتبها ديدييه لوي في "لوكورييه بيكار" قال إن عبارة "التطبيع" التي تم استخدامها في وصف أهداف زيارة ساركوزي ليست عبارة محايدة لأنها مستمدة من بلاغة النظام الشيوعي، والأنسب من ذلك الاكتفاء فقط بوصف الزيارة بأنها كانت مهمة لرفع العتب وطي صفحة سوء التفاهم، وكفى، ولتنتظر خطابة حقوق الإنسان والديمقراطية، بعض الوقت، لأن الظرف الآن لا يسمح بترف الحديث عنها. ساركوزي وتعنت نتنياهو تساءل الكاتب جورج مالبرينو في عنوان مقال بصحيفة لوفيغارو "لماذا يشعر ساركوزي بالإحباط تجاه نتنياهو؟"، مؤكداً أن الرئيس الفرنسي لا يخفي الآن حجم خيبة أمله في زعيم "الليكود"، الذي يصفه عادة بأنه "صديق". ويرى الكاتب أن مشاعر الإحباط والاستياء هذه سببها سلوك نتنياهو تجاه الفلسطينيين، وتعنته فيما يتعلق بمطلب تجميد الاستيطان بصفة خاصة، الذي طالما ألحت أيضاً عليه الإدارة الأميركية. بل إن أحد الدبلوماسيين الفرنسيين أكد مؤخراً أن سيد الأليزيه يشعر اليوم بأنه قد قدم الكثير من البادرات لإسرائيل، وتحمّل ما ترتب عليها من مجازفات، ولكن دون أن ينال لقاء ذلك أي رد إيجابي من طرف تل أبيب. ويعدد مالبرينو نماذج من تلك البادرات وأسباب الاستياء، وأولها القرار الذي اتخذته الرئاسة الفرنسية للاتحاد الأوروبي في ديسمبر 2008 برفع مستوى التنسيق والشراكة السياسية بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، دون أن تقدم تل أبيب أي مقابل لذلك. "وقد جلب هذا علينا انتقادات من بعض الدول الأوروبية" يقول دبلوماسي فرنسي، "كما اتهمتنا دول عربية بالانحياز -يستطرد ذات المصدر- وكان برنار كوشنير يُجيب في كل مرة بأن هذا القرار اتخذه رئيس الجمهورية" شخصياً. والسبب الثاني لاستياء ساركوزي أنه كان قد استقبل ليفني بثلاثة أسابيع فقط قبل الحرب على غزة، العام الماضي، ولم تشر له من قريب ولا من بعيد إلى مشروع أولمرت حينها الذي دخل أطواره النهائية بشن حرب على قطاع غزة، كان من نتائجها دخول "الاتحاد من أجل المتوسط" حالة موت سريري، على رغم كل الحماس والاهتمام اللذين أطلقه بهما الرئيس الفرنسي قبل ذلك بستة أشهر فحسب. ولذا شعر ساركوزي بأنه قد طعن في الظهر حين أخفيت عنه تلك الحرب، التي لعب، على رغم ذلك دوراً كبيراً في إنهائها. وليس هذا فقط فهنالك بادرات فرنسية أخرى كثيرة مثل استدعاء الدولة العبرية كضيف شرف في معرض الكتاب، وكذلك محاولة إقناع إسرائيل بإطلاق سراح مروان البرغوثي لما لذلك من أهمية سياسية. كما أن تعيين فاليري هوفانبرج ممثلة خاصة للرئيس بخصوص حزمة التحفيزات الاقتصادية والثقافية لعملية السلام، بادرة أخرى لا تخطئها الملاحظة، بالنظر إلى أنها كانت تشغل من قبل منصب ممثل "اللجنة الأميركية اليهودية" في فرنسا. ولكن كل هذه البادرات، يقول الكاتب، لم تجد صدى ولا مقابلاً من طرف نتنياهو. ولذا فمن حق ساركوزي أن يشعر بالإحباط والاستياء. بريطانيا... حالة عدم يقين صحيفة ليبراسيون ضمن تغطيتها للحملة الانتخابية البريطانية الجارية الآن حللت تصريح مرشح "الديمقراطيين الأحرار" نِك كليج، الذي أصبح بمثابة "صانع ملوك"، بأنه لن يدعم أبداً بقاء حزب "العمال" على رأس الوزارة، في حالة خسارة هذا الحزب، وحلوله ثالثاً في استحقاق 6 مايو الانتخابي. واعتبر مرشح الحزب الثالث الصاعد بقوة أن حزباً خذله الناخبون، وصوتوا ضده بطريقة عقابية، ينبغي ألا يتطلع أبداً لتعيين أحد أعضائه على رأس الحكومة، كائنة ما كانت التحالفات والاستقطابات الحزبية الأخرى. على أن تحالف كليج مع "المحافظين" المتقدمين الآن في استطلاعات الرأي، يتوقف هو أيضاً على قبولهم، من حيث المبدأ إعادة إصلاح النظام الانتخابي، التي يطالب بها "الديمقراطيون الأحرار" ويعتبرونها أولوية سياسية الآن. وفي السياق ذاته قالت افتتاحية أخرى لصحيفة لوفيغارو إن حالة من عدم اليقين تخيم الآن على أجواء الحملة بسبب انقلاب التوازنات السياسية الذي فرضه الصعود السياسي الاستعراضي لكليج وحزبه، ما قد يؤشر لقرب حدوث تحول جذري في الحياة السياسية البريطانية يرقى في أهميته إلى حدود قد تسمح بوصفه بأنه ثورة سياسية حقيقية. واعتبرت الصحيفة أن هذا التحول التاريخي في طريقة إدارة الحملات وتوازناتها تقف وراءه خطوة تجديد بسيطة هي تنظيم مناظرات تلفزيونية بين المرشحين، أجريت الآن لأول مرة في تاريخ ما يوصف بأنه أعرق ديمقراطية في العالم، وهي خطوة نرى الآن حجم الفارق الذي صنعته في المشهد السياسي البريطاني برمته. إعداد: حسن ولد المختار