تستعد بريطانيا لإجراء انتخابات عامة في 6 مايو الجاري تعد بتحولات عميقة وربما تاريخية قد تغير أموراً كثيرة في الحياة السياسية، ولاسيما أننا إزاء غياب واضح لقادة سياسيين قادرين على إلهام الناخبين حيث يتنازع السباق الانتخابي رئيس الوزراء وزعيم حزب "العمال" جوردون براون بوجهه الشاحب، وزعيم آخر بملامح أصغر سناً هو ديفيد كاميرون الذي يتزعم حزب "المحافظين"، بالإضافة إلى نيكولاس كليج الذي يقود "الليبراليين الديمقراطيين". وكما تأكد في المناظرة التلفزيونية التي نُقلت مباشرة في الأسبوع الماضي، لم تناقش في الحملة الانتخابية القضايا الأساسية مثل التباطؤ الاقتصادي، والحريات، والحرب الصعبة في العراق وأفغانستان، بل شهدنا فقط اختلافات فنية أو لفظية حول ما إذا كان يتعين خفض الخدمات الاجتماعية إلى هذا الحد أو ذاك، وما إذا كان يتعين علينا سحب "فتياننا" من أفغانستان خلال ستة أشهر، أم سنتين، ليبدو الأمر وكأننا بصدد سياسة المكاتب أكثر من كونها سياسة حقيقية. وهذه السطحية في الممارسة السياسية لا تقف عند هذا الحد، بل تخفي أموراً أخرى لم يُتطرق إليها وظلت متوارية عن الأنظار، فنحن في هذه الانتخابات نشهد قفزة نحو أسلوب جديد في القيادة السياسية تؤشر إلى بريطانيا أخرى لا يحكمها السياسيون الذين برزوا من خلال التزامهم الديمقراطي وانخراطهم مع الجماهير، بل يقودها سياسيون مهنيون تعلموا حرفتهم وطوروا قناعاتهم في الشركات الخاصة ومراكز الدراسات المنفصلة عن الجمهور والناخبين. وهذا التحول بين الأجيال سيعمق الهوة بين الحكام والمحكومين في بريطانيا. وقد يكون الاستثناء الوحيد هنا هو براون الذي تولى المقاليد بعد بلير في عام 2007 يبقى هو السياسي الوحيد الذي ينتمي إلى الطراز القديم من القادة في الحملة الانتخابية الحالية، فقد اعتمد طيلة مشواره السياسي على نشاطه في صفوف تيار اليسار، كما أمضى وقتاً طويلا كنائب برلماني. ومهما كانت آراؤنا حول التصورات السياسية لبراون، وهي تصورات لا أتفق معها شخصيّاً في مجملها وتفاصيلها، إلا أنه في الوقت نفسه كائن سياسي بامتياز، فهو باعتباره الأكبر سناً بين المرشحين المتنافسين -59 سنة مقارنة مع 43 سنة بالنسبة لكاميرون وكليج معاً- بدأ حياته السياسية عندما كان في الجامعة التي عرف فيها بميوله اليسارية، كما دخل البرلمان منذ عام 1983 وظل فيه إلى غاية اللحظة، هذا بالإضافة إلى توليه منصب وزير المالية في الفترة ما بين 1997 و2007 قبل أن ينتزع رئاسة الوزراء من بلير. وفي المقابل يشكل الجيل الجديد من السياسيين المتطلعين للسلطة طبقة مغايرة من القادة أشبه بالمديرين والمهنيين منهم بالسياسيين المحترفين، حيث قضوا سنواتهم التكوينية في المكاتب المكيفة يبرمون الصفقات ويحللون المواقف السياسية بعيداً عن العمل الميداني بين المواطنين في مواقعهم في الشوارع والمنازل والساحات العامة. فقد كان كاميرون مديراً بإحدى الشركات الإعلامية لسبع سنوات قبل استقالته في فبراير 2001 بعدما أمن لنفسه مقعداً في البرلمان، حيث ساعدته في ذلك شبكة علاقاته في جامعة أوكسفورد ومعارفه في حزب "المحافظين". ولا يختلف كليج كثيراً في مساره السياسي أيضاً إذ بدأ مشواره في الصحافة، ثم تولى منصباً في المفوضية الأوروبية ببروكسل دون معرفة جيدة بالرأي العام، أو انخراط في العمل الميداني. والأمر لا يقتصر فقط على السياسيين المتنافسين في الانتخابات العامة، بل يمتد أيضاً إلى داخل حزب "العمال" نفسه، وتحديداً السياسيين الذين يسعون لخلافة براون في رئاسة الحزب، فمن جهة هناك ديفيد ميليباند الذي عمل كمسؤول غير منتخب في مقر رئاسة الوزراء قادماً من مركز للأبحاث عمل فيه بين 1989 و1990 ولم يدخل البرلمان إلا لاحقاً عندما ارتأى تعزيز وزنه داخل حزب" العمال". وفيما كان الطراز القديم من السياسيين يبذلون قصارى جهدهم للاختلاط بالناس والتعرف على رغباتهم وآرائهم أمضى ميليباند سنوات طويلة داخل الغرف المغلقة في صياغة سياسات تنبني على الأبحاث والمعطيات بدل التجربة والانخراط المباشر مع الجماهير. ومن جهة أخرى يبرز "إيد بولز" المرشح الآخر لخلافة براون الذي كان في الأصل معلقاً في صحيفة "فاينانشال تايمز" قبل أن يلفت انتباه براون ويستقدمه إلى رئاسة الوزراء ليعمل معه كمستشار اقتصادي دون سابق معرفة بالرأي العام، أو نضال مباشر في صفوف القاعدة الشعبية. والواقع أن أفراد هذه العينة الجديدة من القادة المنفصلين تماماً عن قواعدهم الشعبية هم نتاج التحولات التي شهدتها الساحة البريطانية على مدى العشرين عاماً الأخيرة، فهم جميعاً ولدوا أواخر الستينيات وبلغوا نضجهم السياسي والمهني في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات، وهي الفترة التي عرفت نهاية الحرب الباردة وأفول نجم الاستقطاب السياسي بين اليسار واليمين وبزوغ مرحلة جديدة من سياسة التكنوقراط والمديرين التنفيذيين، هذه المرحلة التي أنتجت سياسة شاحبة في ملامحها العامة تقوم على التوافق أكثر من الصراع الأيديولوجي، وقد أدى اهتمامهم بالمهنية وتقديمهم لها على حساب القناعات السياسية، فضلا عن طريقهم المختصرة إلى العمل السياسي، إلى ظهور نوع جديد من السياسة تتميز بنخبويتها المنفصلة عن تطلعات ومخاوف الجماهير. ومع أني لا أسعى إلى إسباغ نظرة رومانسية على الطراز القديم من السياسيين ما دام براون نفسه أثبت قدرته على الانفصال عن الرأي العام على رغم مشواره العريق في السياسة، إلا أن العينة القديمة كرست على الأقل، نتيجة لانخراطها المباشر مع عامة الناس، مواصفات القيادة الحقيقية، كما طورت قدرة فذة على التعاطف مع الناس وأحياناً تمثيل آراء الناخبين من خلال الاحتكاك بهم على أرض الواقع. بيرندان أونيل ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كاتب وصحفي مقيم في بريطانيا ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"