"هل سيرث المتدينون العالم؟" سؤال اختاره إيريك كوفمان، الأكاديمي البريطاني وأستاذ العلوم السياسية بجامعة لندن، عنواناً للكتاب الذي نعرضه هنا. فالمؤلف يشارك في النقاش الدائر حالياً في الغرب حول صعود الأصوليات، لاسيما الأصولية الإسلامية التي يعتقد البعض أنها تهدد بتغيير ملامح أوروبا وتهيئة الساحة لاكتساح المهاجرين الذين يحملون قيماً ومبادئ مختلفة. فقد ذهب العديد من الباحثين الغربيين، مثل الكاتب الكندي "مارك ستين"، إلى التنبؤ بنهاية العالم كما نعرفه بسبب الزحف الإسلامي وتكاثر أعداد المسلمين داخل أوروبا، في الوقت الذي تتراجع فيه نسبة الولادات لدى الأوروبيين. ومع أن الكاتب ينفر من خطاب التخويف من الإسلام والمسلمين في الغرب الذي يتبناه بعض الباحثين وتعكسه مؤلفاتهم التي لا تفتأ تدق ناقوس الخطر، فإنه لا يفترق كثيراً عن الأصوات التي تحذر من النمو الديموغرافي للمسلمين في أوروبا مقابل انخفاض نسبة الخصوبة لدى الأوروبيين، وهو بذلك يقارب المسألة الدينية في أوروبا من منظار ديموغرافي محض، متوقعاً -كغيره- نمواً للقيم الدينية على حساب المبادئ العلمانية التي ورثتها أوروبا من عصر الأنوار. لكن ما يجعل الكاتب مختلفاً عن أصوات التعصب التي تسود أوروبا حالياً، ويمكن رصدها بوضوح من خلال القضايا الجدالية المثارة على الساحة الأوروبية، مثل ارتداء النقاب وبناء المساجد وغيرها، هو تخليه عن ثنائية الإسلام مقابل الغرب. فحسب الكاتب لا تكمن المشكلة في المسلمين الذين بدأت أعدادهم تتزايد في القارة العجوز بقدر ما تكمن في تصاعد وتيرة الأصوليات في جميع الديانات، المسيحية منها واليهودية والإسلامية. وقد استند المؤلف في فكرته هذه الى معطيات ملموسة جمعها في استبيانات قام بها في مجتمعات مختلفة مثل إسرائيل والدول الأوروبية، هذا التصاعد المريب للأصوليات في نظر الكاتب يفسر على نحو كبير نشوء ثقافة الحرب بين الأصوليين من جميع الديانات والعلمانيين ونشوب الصراع على الفضاء العام. والأمر بالنسبة للكاتب متشابه لدى جميع الأصوليات، سواء تعلق الأمر باليهود الأورثوذكس، أو بالمسيحيين الطهرانيين، أو السلفيين الإسلاميين، في تشكيل جبهة الهدف منها السيطرة على السياسة وإزاحة التصورات العلمانية. لذا لا تقتصر الخطورة في رأي الكاتب على نمو الإسلام أو أي دين معين، بل ينبه إلى التدين بصفة عامة والتشدد الناتج عن غياب الأيديولوجيات الكبرى بعد سقوط الشيوعية وانهيار الأنساق الشمولية التي دأبت على تفسير العالم. وفي هذا الإطار لم يعد التهديد إسلامياً، وإن كان في الأساس ديموغرافياً، لأن نسبة الخصوبة لدى المتدينين تفوق بكثير مثيلتها لدى العلمانيين. بيد أن الخلط الذي يقيمه الكاتب بين الأصوليات جميعاً وتهديدها للتصور العلماني الأوروبي، يغفل مساهمة علماء الاجتماع، خصوصاً المدرسة الفرنسية التي يمثلها "أوليفيي روي" و"جيل كيبل" اللذين أظهرا بأن الأصوليات المعاصرة هي شكل جديد وطارئ على الحساسية الدينية، بل هي في كثير من الأحيان تمرد على التدين التقليدي، معتبرين أن ما يجمع تلك الأصوليات بالحركات العلمانية المتطرفة مثل تلك المناهضة للعولمة والرأسمالية، هو أكثر مما يجمعها بالتدين التقليدي. والأكثر من ذلك، تنطوي المقاربة الديموغرافية على تناقض جوهري يبرز لدى الكاتب بشكل خاص عندما يُستشف من تحليله أن الديموغرافيا قدر محتوم، أو أن أوروبا ستتغير فقط بتغير أصولها العرقية، وهو تناقض يكشفه الخلط بين التنوع البشري وتعدد القيم، بحيث يفترض المتخوفون من الأجانب أن المنحدرين من أصول شمال أفريقية أو آسيوية، سيتبنون بالضرورة قيماً تختلف عن القيم الأوروبية، كما أن الأصول الأوروبية لا تعني بالضرورة تمسكاً تلقائياً بالقيم العلمانية. فلماذا إذن الافتراض بأن أي مواطن أوروبي ولد لأبوين مغاربيين أو بنغاليين سيطالب بتطبيق الشريعة؟ الحقيقة أن الكاتب رغم تبنيه للمقاربة الديموغرافية التي لا تفسر الدينامية الفاعلة على صعيد القيم، فإنه يعترف بأن أوروبا لن يمزقها الصدام الحضاري بين الإسلام والغرب بقدر ما ستعيش حرب قيم تدور رحاها بين العلمانيين والأصوليين من جميع المشارب والأديان. ومن هنا يبرز تهافت التحليل الديموغرافي نفسه لأن العلمانية، كما الأصولية، ليسا أفكاراً حتمية ملتصقة بجينات الأشخاص حتى تلازمهم إلى الأبد، بل هي قيم وتصورات يمكن قبولها، أو رفضها، تبنيها، أو دحضها. ولا ننس أنه قبل سنوات كانت التوجهات العلمانية والأفكار اليسارية منتشرة على نطاق واسع في المجتمعات الإسلامية نفسها التي ينحدر منها المهاجرون الحاليون في أوروبا، ولم يكن الأصوليون وقتها يشكلون سوى أقلية هامشية. وإذا كانت الكفة اليوم تميل أكثر لصالح الأصوليين، فإن هذا التحول لا يرجع إلى الاعتبارات الديموغرافية بل إلى التطورات السياسية في المجتمعات المعنية. زهير الكساب الكتاب: هل سيرث المتدينون العالم؟ المؤلف: إيريك كوفمان الناشر: بروفايل بوكس تاريخ النشر: 2009