لقد تمكنت دول مجلس التعاون الخليجي في العقود الماضية من تحويل أسواقها إلى مراكز تسوق إقليمية رئيسية في المنطقة، وذلك بفضل استغلال الميزات النسبية التي تتمتع بها، مما رفع من قدراتها التنافسية ومكنها من استقطاب المستثمرين والمتسوقين من مختلف بلدان العالم. وتقف أسعار الوقود على رأس هذه الميزات التي يمكن لدول الخليج تسخيرها لخدمة أهداف استراتيجياتها بعيدة المدى بدعم أسعار الطاقة في سبيل تنشيط القطاعات الاقتصادية الأخرى والتعويض عن فروق الأسعار بصورة غير مباشرة من خلال جذب رؤوس الأموال وتحصيل الرسوم الناجمة عن الأنشطة الاقتصادية والتجارية المتنامية. ومثل هذه التوجهات الاقتصادية التي أثبتت العقود الماضية أهميتها لنمو الاقتصادات الخليجية يتم استبعادها حاليّاً في العديد من دول المجلس من خلال رفع مبرمج لأسعار الطاقة والوقود، مما يقلل من القدرات التنافسية للاقتصادات والمنتجات الخليجية في الأسواق الدولية ويزيد من معدلات التضخم التي تقلل من جاذبية الأسواق المحلية. وللأسف، فإن الاقتصادات الخليجية لا تملك الكثير من الأفضليات النسبية، وبالأخص بعد تحرير تجارة بعض المنتجات في الأسواق العالمية والتي أدت بالفعل إلى إغلاق أبواب مئات من مصانع الملابس الجاهزة في دول مجلس التعاون الخليجي. لقد تمكنت الصين على سبيل المثال من غزو أسواق العالم في السنوات القليلة الماضية واستقطاب آلاف الشركات الأجنبية بفضل استخدامها الذكي لأفضلياتها النسبية، وبالأخص الأيدي العاملة الرخيصة، بحيث تحولت إلى أهم مصدر عالمي في العام الماضي 2009 وكذلك عملت بلدان أخرى، كالهند والبرازيل، فالميزات النسبية تعتبر معياراً رئيسيّاً للمنافسة العالمية القادمة. ربما تنجح عملية رفع أسعار الطاقة في تقوية مراكز شركات توزيع الوقود في دول المجلس، إلا أنها ستضر بالاقتصادات الخليجية بشكل عام وستفقدها أهم ميزة تنافسية تتمتع بها وتشكل عامل جذب قويا للاستثمارات الأجنبية ولقطاع الأعمال وستقلل من مستويات المعيشة المميزة والتي أدت إلى استقطاب كفاءات عالية من مختلف بلدان العالم. أما من الناحية المهنية الصرفة، فإنه لا يمكن النظر إلى هذه المسألة من جانب واحد يتمثل في الربح أو الخسارة التي يمكن أن تحققها أو تتكبدها شركات توزيع الوقود، وإنما النظر إليها بصورتها الشاملة وباعتبارها محركاً للأنشطة الاقتصادية وجاذبة للاستثمارات وميزة نسبية يمكن استغلالها بما يخدم التوجهات التنموية في دول المجلس. وبالإضافة إلى التعامل مع الأسواق الخارجية، فإن تفاوت أسعار الوقود بين دول المجلس ذاتها سيخلق فروقات في الميزات النسبية لكل دولة وسيؤثر ذلك في القدرات التنافسية بين دول المجلس ذاتها ويمكن أن يؤدي إلى تغيير العديد من الموازين السابقة في نطاق السوق الخليجية المشتركة. ومن هذا المنطلق ونظراً للتأثيرات المباشرة والكبيرة لأسعار الوقود على مجمل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، فإنه لابد من التعامل بنظرة شاملة تأخذ بعين الاعتبار كافة الانعكاسات المحتملة، وخصوصاً أن أسعار الطاقة في الأسواق العالمية لا زالت تدور حول معدلات مقبولة من قبل المنتجين والمستهلكين على حد سواء. أما إذا ما حررت أسعار الوقود بصورة كاملة في دول المجلس، بحيث وصلت هذه الأسعار إلى مستويات الأسعار في الأسواق الفورية، فإن دول المجلس ستفقد أهم ميزة نسبية تتمتع بها في الوقت الحاضر، مما سيؤدي إلى بروز صعوبات جديدة أمام الصادرات المحلية وإلى التقليل من قوة الجذب الحالية للأسواق الخليجية بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة وانخفاض القدرات التنافسية للأسواق الخليجية، وهذه المسألة بالذات يمكن تفاديها من خلال القيام بدراسة معمقة وشاملة للعلاقة بين أسعار الطاقة والأوضاع الاقتصادية في دول المجلس. Summary محمود