تفاءل كثيرون في المنطقة بمجيء رئيس أميركي واقعي وعقلاني مثل أوباما، بخلفيته المسلمة وبمواقفه المختلفة كليّاً عن سلفه بوش، وانخراطه مُبكراً في عملية السلام وتعيين مبعوث للشرق الأوسط وإرساله في زيارات شهرية للمنطقة مع وزيرة الخارجية ونائب الرئيس، هذا زيادة على اهتمامه الشخصي بالعلاقة مع دول المنطقة. وظن هؤلاء أن ذلك سيحدث تغييراً تاريخيّاً غير مسبوق في علاقات المنطقة مع أميركا، وزادت من قناعتهم بحتمية التغيير وعود أوباما بإغلاق معتقل غوانتانامو سيئ الصيت، وكذلك خطابه العقلاني الموجه للعالم الإسلامي من القاهرة، ومواقفه المعتدلة الساعية لتصحيح خلل العلاقة المأزومة مع العالمين العربي والإسلامي. ويعلم الجميع طبعاً أن الحكم على أوباما لا يزال مبكراً. ولكن بعد مرور 15 شهراً من الجمود وتواضع النتائج بدأ اليأس والقنوط يتسربان للمتحمسين والحالمين الذين ظنوا أن أوباما سيكون رئيساً مختلفاً عن أسلافه. وهذا شعور ربما يشترك فيه الآن الباحثون والقادة والعامة معاً. ومع أن أميركا حسّنت من سمعتها في الخارج، حسب استطلاعات الرأي، إلا أنها عجزت عن لعب دور يوازي ثقلها المهمين، وخاصة فيما يتعلق بجهود تحقيق السلام في الصراع العربي/ الإسرائيلي. وفشلت في إجبار نتنياهو على تجميد الاستيطان في القدس، وعلى نحو يثير الكثير من التساؤل حول سمعة وهيبة واشنطن. وإذا كانت واشنطن عاجزة عن لجم إسرائيل والضغط عليها، فكيف، يا ترى، ستتحقق رؤية أوباما بحل الدولتين؟ ولعل هذا أيضاً مما زاد من إحباط المراقبين والمعنيين وهم يرون زيارات مبعوث أوباما الخاص ميتشل، وجولاته الفاشلة وخالية الوفاض، وآخرها قبل يومين. في نهاية العام الماضي أرسل قائد القوات المركزية في الشرق الأوسط الجنرال بترايوس وفداً عسكريّاً ليستطلع آراء عواصم المنطقة. وكانت النتيجة مؤلمة لواشنطن بسبب ترسخ شبه إجماع بين قيادات المنطقة على تراجع النفوذ والهيبة الأميركية سياسيّاً وعسكريّاً بسبب عجز واشنطن عن تحقيق السلام. ومن المناسب أكثر لنجاح الاستراتيجية الأميركية في المنطقة ممارسة المزيد من الضغط على إسرائيل، خاصة إذا ما وضعنا انزعاج المؤسسة العسكرية الأميركية المتصاعد من التعنت الإسرائيلي. وكان بترايوس وجه انتقاداً لإسرائيل أمام "لجنة الخدمات العسكرية" في مجلس الشيوخ الأميركي معبراً عن مخاوفه من أن "تعثر عملية السلام والخلافات بين إسرائيل وجيرانها تشكل تهديداً كبيراً وعقبة أمام تحقيق مصالحنا في مناطق العمليات. ذلك أن التوتر والعنف بين الإسرائيليين والفلسطينيين يولِّد مشاعر معادية للولايات المتحدة بسبب ما يراه العرب من تعاطف أميركي مع إسرائيل. كما أن الغضب والإحباط العربي من حل المشكلة الفلسطينية بات يحد من عمق الشراكة بين واشنطن وحكومات وشعوب المنطقة. ويستغل تنظيم القاعدة هذا الشعور العربي المحبط ويوظفه لتهييج وتحريك الشعوب وللتكسب. كما يمنح هذا الوضع خصوم واشنطن، من دول ومن غير الدول، القدرة على استغلال هذا الوضع". وكان "جو بايدن" حسب صحيفة "يديعوت أحرونوت" قد عنف نتنياهو محذراً إياه من أن "الكثير من المسلمين يربطون بين التصرفات الإسرائيلية والسياسة الأميركية. ومن أن تصرفات إسرائيل تهدد حياة جنودنا في المنطقة الذين يقاتلون الإرهاب. وهذا يشكل خطراً بالنسبة إلينا". وهكذا شخصت أميركا الداء من إدارة ووزارة دفاع وخارجية ومراكز دراسات، وهي لاشك، تعلم بالضبط المطلوب فعله للعلاج. وإذا كانت إدارة معتدلة وواقعية مثل إدارة أوباما تعجز عن تحقيق أي اختراق في مسار عملية السلام على رغم برودة وفتور العلاقة مع الحكومة الإسرائيلية التي تبدو مترنحة ومختطفة من غلاة اليمين، فأية إدارة أميركية أخرى، يا ترى، يمكنها أن تحقق هذا الاختراق المنشود؟ وإذا لم تنجح إدارة أوباما في تحقيق السلام فأية إدارة قادمة يمكنها تحقيق ذلك؟ إن الشعور بالإحباط العربي في مكانه. والمبالغة في التفاؤل فيما يمكن أن يحققه أوباما يتحول إلى حالة إحباط تكرس الدور الأميركي المنحاز ضد العرب. وهذا سيئ لإدارة أوباما ومحبط لملايين العرب والمسلمين الذين تفاءلوا واستبشروا خيراً بها، ليُفاجأوا بأنه لا فرق كبير بين أوباما وبين أسلافه!