يعتقد المتعجلون من علمائنا وباحثينا أن مناهج العلوم الإنسانية وأدواتها الإجرائية والتجريبية هي "إرث بشري مشترك" على الإطلاق، ولا ينبغي علينا إلا أن ننصاع لمقولاته، ونرضخ لأساليبه، ولا نضيع وقتاً في تفنيده أو الجدل حوله، خاصة إن كنا عاجزين عن الإتيان بمثله أو غيره. ولدى هؤلاء ولع شديد بكل الاقترابات والنماذج الإرشادية والطرق البحثية التي أبدعها الغرب في السياسة والاجتماع والاقتصاد والأدب وعلم النفس والفلسفة... الخ. ولدى هؤلاء أيضاً انصياع تام لفكرة "المركزية الأوروبية" ذات الطابع العنصري، التي تزعم أن أوروبا تحتكر خط الحضارة والعلم منذ الإغريق وحتى اللحظة الراهنة، متنكرة لعطاء الحضارات الأخرى، ومتناسية حداثة التجربة الأوروبية إن أخذنا في الاعتبار التاريخ غير المكتوب للأمم السابقة، وإن أمعنا النظر في العطاء القوي النافذ للحضارات الفرعونية والبابلية والأشورية وحضارات بلاد الصين والهند، وحتى إن استشهدنا بآراء علماء غربيين منصفين مثل مارتن بيرنال صاحب كتاب "أثينا السوداء: الجذور الأفروآسيوية للحضارة الكلاسيكية"، وجون إم. هوبسون مؤلف كتاب "الجذور الشرقية للحضارة الغربية". وجراء هذا الولع وذلك الانصياع غصت جامعاتنا ومعاهدنا العلمية بكتابات منقولة حرفياً، أو مستنسخة، تتحدث باستفاضة عن المنهج الوصفي والتحليلي والمقارن والبنيوي والتفكيكي، كلافتات عريضة، ومنها اقترابات مثل البنائي الوظيفي والتحليل الطبقي والنخبوي وتحليل النظم، وأدوات كالاستبيان والملاحظة بالمشاركة والمقابلة العابرة والمتعمقة، وتحليل المضمون الكمي والكيفي، ومقاييس الذكاء المعهودة مثل ويكسلر وكاتل وتريستون. ومن دون شك فإن بعض هذه المناهج تحمل مستوى من العمومية لا يمكن نكرانه، وفيها قدر من الانضباط العلمي لا ينكره إلا جاهل أو متنطع، وهي اجتهادات بشرية عميقة، لدراسة الظواهر الإنسانية، التي هي أكثر تعقيداً وأصعب مراساً من الظواهر الطبيعية. وقد استفاد منتجو الأفكار في بلادنا كثيراً من هذه المناهج والاقترابات والأدوات، وتخرجت على أياديهم جيوش من الباحثين والكتاب والمدرسين، ومديري الأجهزة البيروقراطية، وأصحاب الأعمال الحرة. وبعض هؤلاء استمر في استعمال هذه المناهج المألوفة بوعي كامل وقصد جلي، مثل الباحثين. وبعضهم تماهت هذه المناهج في عقله، شعوراً أو لاشعوراً، لتساعده على التعامل مع قضايا الحياة، بشتى تفاصيلها، ومختلف جوانبها. لكن هناك مشكلتين رئيسيتين في التعامل مع هذه المناهج إن استخدمناها لتساعدنا على فهم الظواهر التي يموج بها مجتمعنا العربي، الأولى تتمثل في اختلاف البيئة الاجتماعية لدينا عن نظيرتها في الغرب، ولأن هذه المناهج لم تولد من فراغ، بل هي بنت الظروف التي أنجبتها، فإن أخذها كما هي، من دون نقد أو جرح أو تعديل، وتطبيقها على ما يجري في حياتنا، يؤدي إلى نتائج مضللة أو مشوهة في كثير من الأحيان، الأمر الذي يبعدنا عن وضع الحلول السليمة للمشاكل التي تعوقنا. والمشكلة الثانية تتمثل في عدم مواكبة الحركة البحثية والعلمية العربية للجديد الذي تجود به قرائح علماء الغرب، ففي وقت يكون فيه منهج ما أو اقتراب ما قد أوسع نقداً حتى تهاوت أسسه، يكون لدينا من يستعمل هذا المنهج بعمى وصمم كاملين، ولا يدري شيئاً عما طاله في البلاد التي أنجبته. إن في الغرب نفسه علماء لا يؤمنون بأن هناك منهجاً علميّاً أو إطاراً معرفيّاً يصلح لكل الناس في وقت واحد وأمكنة مختلفة وثقافات متباينة، فها هو عالم وفيلسوف بقامة "توماس كون" يؤكد أن رؤية الإنسان للعالم من حوله نتاج ثقافي اجتماعي موروث، ويقتنع بأنه لا يوجد "نموذج إرشادي" صالح لدراسة الظواهر الإنسانية في كل المجتمعات. وحتى لا يكون الكلام محض ادعاءات، أو تجريداً لا يقف على قدمين، فسأضرب أمثلة على ضرورة وجود نماذج إرشادية أو مناهج إنسانية وطرق تفكير نابعة من ظروف مجتمعنا. فمقاييس الذكاء، المشار إليها سلفاً، صممت على أساس بيئة اجتماعية معينة تحيط بطفل ينطق بلغة مَن وضع المقياس، وليس غيرها، ويتعرض لنمط تربية بعينه، ولخبرات وممارسات في اللعب والجد متبعة بمجتمعه. وهذه الاختبارات، فضلا عن تحيزها لمجتمع معين، فهي متحيزة للطبقة الوسطى ولأهل المدينة، ولنمط ثقافي يحدد سلفاً ما هي معايير التفوق والتقدم. ولا تبدو التفسيرات المتكئة على مناهج الغرب مقنعة وهي تتصدى لمسألة استمرار الاستبداد في العالم العربي، على رغم تداعيه في دول أقل مستوى في مجال التنمية مثل بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، وفي دول كانت أشد صرامة وتسلطاً مثل المنظومة الاشتراكية السابقة، التي انفرط عقدها بانهيار الاتحاد السوفييتي. كما لا يمكن لطريقة "الاستبيان" و"الاستقصاء" كما تعلمناها من الغرب أن تأتي بنتائج دقيقة في مجتمع يعاني من الخوف والاستبداد. إن بعض العلماء العرب قد أضافوا تعديلات إلى مناهج غربية لتلائم واقعنا، مثل ما قام به إسماعيل القباني من تعديل في مقياس الذكاء (بالارد) ليلائم البيئة المصرية، وما قام به الدكتور عبدالوهاب المسيري من حل مشكلتنا المعقدة مع العلمانية والدين مفرقاً بين "العلمانية الجزئية" التي تقوم على فصل الدين عن السلطة و"العلمانية الكلية" التي تقوم على فصل الدين عن الحياة، محبذاً الأولى، ورافضاً الثانية بشكل قاطع، وكذلك ما أبدعه المسيري في "إشكالية التحيز المعرفي"، وما حاوله حسن حنفي في "علم الاستغراب" وأنور عبدالملك في "ريح الشرق". لكن هذه الجهود لا تزال ضئيلة ومتفرقة، وتحتاج إلى تكثيف بالغ، وإصرار على الاستمرار والترقي في الفهم والبناء والتراكم، حتى يمكن أن نحصل على طرق للتفكير تلائم واقعنا، وتجلو عقولنا فترى ما يجري حولها في بلادنا بتبصر وإنصاف، وهي بداية لمعالجة مشكلاتنا الحياتية في ضوء مناهج العلم، وليس تحت وطأة الدجل والخرافات أو الاستلاب للغير. إن للمقاومة أشكالاً عدة، منها العسكري، ومنها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وإن من الإنصاف أن نعتبر أن البحث عن منهج علمي متحيز لقضايانا، وكشف التحيز ضدنا في مناهج الآخرين، هو من ألوان المقاومة، التي لا تقل أهمية عن أشكالها الأخرى، والذي إن توافر يجعلها أكثر مضاء وفاعلية.