في عام 1948، ولدى إعلان قيام إسرائيل، قال بن جوريون، رئيس أول حكومة إسرائيلية: "لا إسرائيل من دون القدس، ولا قدس من دون الهيكل". ولم يكن ذلك مجرد شعار، بل كان عنواناً لاستراتيجية بعيدة المدى. فبعد احتلال الجزء الغربي من المدينة، احتلت إسرائيل في عام 1967 الجزء الشرقي منها أيضاً، ثم أعلنت المدينة عاصمة موحدة وأبدية لإسرائيل. وحتى تكون كذلك، كان لابد من التهويد. والتهويد يشمل البشر والحجر معاً. ولذا فإن بناء المستوطنات اليهودية في القدس، واقتلاع سكانها الأصليين من المسلمين والمسيحيين، وتهديم بيوتهم، ومصادرة أراضيهم، يجسد عملية التهويد البشري التي قطعت شوطاً بعيداً إلى الأمام، حتى إن عدد العرب في القدس الشرقية يقلّ عن ثلث عدد اليهود الذين استوطنوا فيها. وأما التهويد الذي يستهدف الحجر، فقد شمل عدداً من الصروح الوقفية الإسلامية.. وحتى المقابر التي تحوّلت إلى حدائق عامة أو إلى مواقف للسيارات. ولا تخفي إسرائيل نيّتها في تدمير المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله، بحجة مختلقة وهي الزعم بأنه مبني فوق أنقاض "هيكل سليمان". وكان الحريق الذي استهدف المسجد في عام 1969 واحداً من عدة محاولات قامت بها إسرائيل لتدمير المسجد. وليس التهويد هدفاً إسرائيلياً فقط بل إنه هدف تسعى إليه الحركة المسيحانية الصهيونية في الولايات المتحدة أيضاً. ولذلك يمكن اعتبار تاريخ الخامس من حزيران - يونيو 1967 عنواناً لبدايات جديدة كثيرة ليس في العالم العربي وفي العالم الإسلامي فقط، ولكن في العالم كله، وخاصة في الولايات المتحدة. فعندما احتلت إسرائيل مدينة القدس، كان على رأس القوات الإسرائيلية التي اقتحمت المدينة المقدسة موشي دايان. وكان يرافقه في دبابة القيادة القس الإنجيلي الأميركي بات روبرتسون. في ذلك اليوم أعلن روبرتسون وهو يتفرج على عملية تهديم حي المغاربة المجاور للمسجد الأقصى: "إن المعجزة الثانية المتعلقة بسيناريو العودة الثانية للمسيح قد تحققت. وإن علينا الآن العمل على تحقيق المعجزة الثالثة، وهي بناء الهيكل اليهودي على أنقاض المسجد الأقصى وفي موقعه". أما المعجزة الأولى فكانت قد تحققت بقيام إسرائيل في عام 1948! وفي عام 1980 ترشح روبرتسون للانتخابات الرئاسية الأميركية. وكان يتطلع إلى العمل على تحقيق المعجزة الثالثة. ولكنه تعثر في الطريق إلى البيت الأبيض. وكان الفوز من نصيب ريجان. ولم يكن ريجان أقل شغفاً بسيناريو نهاية الزمن، الذي يبدأ بمعركة هرمجيدون الماحقة، ثم بعودة المسيح المخلص، الذي يحكم العالم مدة ألف عام يسود خلالها السلام والأمن والعدل كما تقول الأدبيات الدينية لهذه الحركة. ولذلك كان ريجان يقول إنه يتمنى أن يكرمه الله بالضغط على الزر النووي حتى تقع هرمجيدون، ويكون له بالتالي شرف المساهمة بتحقيق أحد أهم شروط هذه العودة المنتظرة. وفي الحادي والعشرين أغسطس من عام 1969، أي بعد مرور عامين فقط على احتلال القدس، امتدت يد الإجرام الصهيونية إلى المسجد الأقصى وأشعلت فيه النار. وكان الهدف من وراء تلك العملية تدمير الأقصى. ولم تكن تلك المحاولة الأولى ومن الواضح أنها لن تكون الأخيرة. فقد جرت عدة محاولات قبل ذلك، منها محاولة تزنير المسجد بالمتفجرات ونسفه. ومنها محاولة قصفه بالقنابل المحرقة والمدمرة من الجو. ولم تفشل هذه المحاولات إلا بعد افتضاحها قبل تنفيذها. والذين يقومون بها ليسوا يهوداً فقط. والذي أحرق المسجد الأقصى لم يكن يهودياً. كان صهيونياً مهاجراً من أستراليا من أعضاء حركة الصهيونية المسيحانية التي تعتبر قيام إسرائيل واحتلال القدس وبناء هيكل يهودي على انقاض المسجد الأقصى شروطاً لأزمة للعودة الثانية للمسيح. وكذلك فإن تمويل تلك المحاولات لم يكن تمويلاً إسرائيلياً فقط. بل كان مصدره الأساس هذه الحركة المسيحانية الصهيونية. وحتى شراء العقارات في القدس وحولها اعتبر منذ 1967 أولوية مقدسة لدى هذه الحركة الإنجيلية التي تعارضها كنائس إنجيلية والكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية. ففي شهر أغسطس 1897 عُقد في مدينة بال بسويسرا المؤتمر الصهيوني الأول بدعوة من هرتزل. كان مؤتمراً لليهود الصهاينة. وفي عام 1985، أي بعد 88 عاماً، عُقد في نفس المدينة السويسرية بال، وفي الفندق نفسه، وفي القاعة ذاتها من الفندق، وفي الشهر ذاته أيضاً، مؤتمر صهيوني ضمّ الكنائس الإنجيلية المتصهينة التي تعتبر قيام "صهيون" أمراً تمهيدياً لابدّ منه للعودة الثانية للمسيح. وقد وجه الدعوة إلى "المؤتمر الصهيوني المسيحاني" القس الدكتور دوغلاس يونج مدير المعهد الأميركي لدراسات الأرض المقدسة. وترأسه القس الدكتور فان ديرهوفين رئيس الكنيسة الإنجيلية الهولندية. وحضر المؤتمر التأسيسي 589 شخصية دينية من الولايات المتحدة وأوروبا، ومن كنائس مماثلة في دول إفريقية وآسيوية أخرى بلغ عددها 27 دولة. ومنذ ذلك الوقت يُعقد سنويّاً مؤتمران في شهر أغسطس من كل عام، الأول للحركة الصهيونية- اليهودية استكمالاً لمسيرة المؤتمر الأول الذي نظمه هرتزل، والثاني للحركة الصهيونية المسيحية الذي أعدّه دوجلاس يونج. وقد انبثقت عن مؤتمر 1985 منظمة جديدة تحمل اسم "السفارة المسيحية الدولية من أجل القدس". ومهمتها توظيف النفوذ المعنوي والمادي من أجل تمكين المؤسسة الجديدة من تحقيق النبوءات التوراتية المتعلقة بظروف العودة الثانية للمسيح وأهمها تثبيت أقدام الدولة الصهيونية وتجميع بقية اليهود فيها بعد ضمّ كل الأرض، وبناء الهيكل اليهودي على أنقاض المسجد الأقصى حتى يظهر المسيح فيهم للمرة الثانية وفقاً لما تقوله النبوءات التوراتية التي يؤمنون بها. وقد عملت السفارة المسيحية الدولية على تحقيق معظم الأهداف التي أعلنتها في عام 1985، ومن أبرزها نقل يهود الاتحاد السوفييتي السابق إلى إسرائيل، وإنهاء المقاطعة ضد المصالح الإسرائيلية، والضغط على دول أوروبا الشرقية والوسطى لتطبيع علاقاتها مع إسرائيل، ودعوة العالم إلى الاعتراف بالقدس عاصمة أبدية موحدة لإسرائيل. وقد لعبت هذه المنظمة الدور الأبرز في استصدار القرار الأول عن مجلس الكونجرس الأميركي (الشيوخ والنواب) في أبريل 1990، الذي نصّ على دعوة الإدارة الأميركية إلى الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ثم باستصدار القرار الثاني في عام 1995 بنقل مقرّ السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس. إن البعد الديني المتجذر في استراتيجية الدعم الأميركي لإسرائيل يتجاوز الحسابات السياسية وحتى المصالح القومية للولايات المتحدة. وتمارس حركات سياسية- دينية أوروبية تؤمن بهذه النظرية الدينية أيضاً، ضغوطاً معنوية شديدة على حكوماتها لحملها على مساعدة إسرائيل ودعمها اعتقاداً منها بأن في ذلك استجابة لنداء الله ومساهمة منها في تنفيذ إرادته! أما اليهود انفسهم الذين يؤمنون بأن المسيح لم يأت بعد، وأن نظرية العودة الثانية نظرية سخيفة، فإنهم يشجعون هذه الحركات الدينية ويستخدمونها على أوسع نطاق وذلك لما توفره لهم من دعم معنوي ومادي. ويرى هؤلاء أنه من الآن وحتى يظهر المسيح، أو حتى يعود ثانية، فإن المهم هو استمرار هذا الدعم الذي يوفر مظلة واقية لتغطية عملية التهويد الشاملة. أما على صعيد الموقف الإسلامي فإن منظمة المؤتمر الإسلامي التي تمثل الأمة الإسلامية وتتحدث باسمها، لم تقصّر منذ قيامها في عام 1969 إثر جريمة إحراق المسجد الأقصى في اتخاذ التوصيات والقرارات وفي رفع الصوت عاليّاً دفاعاً عن قضية القدس، حتى أن هذه القضية لم تغب عن أي مؤتمر من مؤتمراتها. بل إن المنظمة خصصت أحد مؤتمراتها -قمة عام 1974 في لاهور- لقضية القدس وحدها. وقررت في قمة أخرى عام 1978 -في الطائف- وضع استراتيجية إسلامية لتحرير المدينة المقدسة. وهي تواصل التأكيد على إجماع الأمة على تحرير القدس كما جرى في قمة ماليزيا. ولكن تلك المواقف الكلامية تعامل معها العدو جديّاً، فشكّل مادة لاستنفار قواه المحلية والدولية تحصيناً لمواقعه وتدعيماً لسياسته التوسعية في تهويد المدينة المقدسة، في الوقت الذي فرغت تلك البيانات من أي مضمون عملي. لقد أدّت المواقف الكلامية لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وكذلك مواقف جامعة الدول العربية وآخرها قمة سرت الليبية، إلى أمرين خطيرين: الأمر الأول أنها وجهت تطمينات مخدّرة إلى الأمة بالعزم على تحرير القدس. أما الثاني فهو أنها أثارت حمية العدو تحسباً لجدية العزم الإسلامي والعربي على التحرير. فكانت نتيجة الأمرين تراخيّاً إسلاميّاً- عربيّاً في التحرير وتشدداً إسرائيلياً في التهويد.